4/2/2026 2:20:00 AM
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
في ظل التحولات الإقليمية المتسارعة، والتصعيد العسكري المتزايد المرتبط بالمواجهة المباشرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، واتساع رقعة التوتر لتشمل الجبهة اللبنانية، يبرز على الساحة الفلسطينية تساؤل وطني ملحّ: هل يمكن إجراء انتخابات المجالس البلدية والمحلية في الضفة الغربية وضواحي القدس، في ظل بيئة أمنية قسرية ومعقدة، وفي وقت تواصل فيه غزة معاناتها تحت وطأة الحصار وسياسات التجويع، وسط جمود كامل في المسار السياسي؟
هذا التساؤل لا يستهدف الطعن في مبدأ الانتخابات كحق ديمقراطي أصيل، بل يطرح مسألة التوقيت والجدوى في سياق واقعي تفرضه معطيات ميدانية استثنائية وغير مسبوقة، تستوجب قراءة متأنية تجمع بين القانون والسياسة.
تشهد الأرض الفلسطينية حالة من الهشاشة الأمنية العميقة، تتجلى في تصاعد اعتداءات المستوطنين، واقتحامات متكررة للمدن والقرى والمخيمات الفلسطينية من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي، باتت تحمل طابعًا منظمًا وممنهجًا يستهدف الإنسان والأرض والممتلكات. ويأتي ذلك في ظل غياب فعلي للحماية الدولية للسكان المدنيين الواقعين تحت الاحتلال، في مخالفة صريحة لقواعد القانون الدولي الإنساني، لا سيما اتفاقيات جنيف التي تلزم القوة القائمة بالاحتلال بضمان أمن وسلامة السكان.
وفي موازاة ذلك، تتعرض مناطق واسعة، خاصة في الأغوار الفلسطينية والمخيمات، إلى سياسات تهجير قسري ممنهجة، سواء عبر الهدم أو التضييق الاقتصادي أو القيود المفروضة على سبل العيش، بما يقوض الاستقرار السكاني ويضعف البيئة الطبيعية اللازمة لممارسة العملية الديمقراطية. كما أن انتشار الحواجز العسكرية والبوابات التي تقيد الحركة بين المدن والقرى يعمّق من حالة العزل الجغرافي، ويحدّ من حرية التنقل، وهي ركيزة أساسية لضمان نزاهة الانتخابات وشموليتها.
اقتصاديًا، يرزح المواطن الفلسطيني تحت ضغط أزمة معيشية خانقة، تتجلى في ارتفاع غير مسبوق في الأسعار، وتآكل القدرة الشرائية، وتفشي البطالة، في ظل أزمة مالية حادة تعاني منها الحكومة، نتيجة تراجع الإيرادات واحتجاز أموال المقاصة. وقد انعكس ذلك بشكل مباشر على أداء الهيئات المحلية التي تواجه عجزًا ماليًا متفاقمًا، وتراجعًا في قدرتها على تقديم الخدمات الأساسية، بل وعجزًا في بعض الحالات عن دفع رواتب موظفيها، في ظل تضخم وظيفي وبطالة مقنعة.
هذا الواقع المركب ينعكس بدوره على ثقة المواطن بالعملية الانتخابية، حيث تتعزز القناعة بأن أي مجلس منتخب سيبقى مكبلًا بقيود مالية وسياسية خارجة عن إرادته، ما قد يحوّل الانتخابات إلى إجراء شكلي لا يحقق تطلعات المواطنين ولا يعكس إرادة حقيقية للتغيير.
من الناحية القانونية، فإن إجراء انتخابات حرة ونزيهة يفترض توفر بيئة تضمن حرية الاختيار، وتكافؤ الفرص، وحرية الحركة، وغياب الإكراه من قبل الاحتلال الإسرائيلي. وهي شروط يصعب تحققها في ظل الاعتداءات المستمرة، والقيود المفروضة على التنقل، والتهجير القسري، والتدخلات التي تمس جوهر الإرادة الشعبية. كما أن القانون الدولي، بما في ذلك العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، يشدد على ضرورة توفير مناخ يضمن ممارسة الحقوق السياسية دون ضغوط أو معيقات يفرضها الاحتلال قسراً.
وعليه، فإن النقاش الدائر لا ينبغي أن يقتصر على تحديد موعد الانتخابات، بل يجب أن يتسع ليشمل تقييم جدواها وقدرتها على تحقيق أهدافها الديمقراطية في ظل هذه الظروف الاستثنائية.
إن إعادة النظر في توقيت إجراء الانتخابات تطرح نفسها كضرورة وطنية ومسؤولية سياسية، وذلك من خلال:
إجراء تقييم شامل للبيئة الأمنية، وضمان وقف اعتداءات المستوطنين وتوفير الحماية للمدنيين، بما يشمل حماية مراكز الاقتراع وصناديق التصويت من تدخلات قوات الاحتلال
معالجة آثار التهجير القسري، وضمان الاستقرار السكاني في كافة المناطق.
إزالة القيود على الحركة، بما يكفل حرية التنقل والمشاركة السياسية دون عوائق.
إعداد خطة إنقاذ مالي للهيئات المحلية، تضمن استدامة عملها وتعزز قدرتها على تقديم الخدمات.
تعزيز ثقة المواطن بالعملية الانتخابية عبر برامج واقعية وقابلة للتنفيذ، تعكس احتياجاته الفعلية.
ختامًا،
إن الديمقراطية لا تختزل في صناديق الاقتراع فحسب، بل تقاس بمدى توفر بيئة حرة وآمنة تمكّن المواطن من التعبير عن إرادته دون إكراه أو قيود يفرضها الاحتلال. وفي ظل غياب هذه المقومات، فإن تأجيل الانتخابات إلى حين توافر الظروف الملائمة قد يشكل خيارًا مسؤولًا يحافظ على جوهر العملية الديمقراطية ويصون المصلحة الوطنية العليا.
ولعل الأهم من ذلك، أن الحاجة الوطنية لا تقتصر على الانتخابات المحلية، بل تمتد إلى ضرورة إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية شاملة، بما يضمن تجديد الشرعية الشعبية، وإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس ديمقراطية جامعة، قادرة على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية