3/25/2026 8:43:00 PM
قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين: تشريع القتل واستكمال لمنظومة الإبادة
كتب وليد العوض:
في خطوة خطيرة وغير مسبوقة، تعكس انزلاقًا متسارعًا نحو الفاشية، أقرت لجنة الأمن القومي في الكنيست الإسرائيلي، مساء 24-3-2026، مشروع قانون يفرض عقوبة الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين، تمهيدًا لإقراره نهائيًا بالقراءتين الثانية والثالثة. ولا يمكن قراءة هذا التطور إلا بوصفه حلقة جديدة في مشروع استعماري إحلالي قائم على القتل والإقصاء، يستهدف الشعب الفلسطيني في وجوده وحقوقه وكرامته.تكمن خطورة هذا القانون ليس فقط في إقراره لعقوبة الإعدام، بل في طبيعته الإلزامية القسرية؛ إذ يُسقط شرط الإجماع، ويغلق باب العفو، ويضع جدولًا زمنيًا سريعًا للتنفيذ لا يتجاوز 90 يومًا عبر الشنق. إننا أمام محاولة واضحة لتحويل القتل إلى إجراء قانوني روتيني، وإلى سياسة دولة مُعلنة، بما يشكل انتهاكًا صارخًا ومباشرًا لكل قواعد القانون الدولي الإنساني ومنظومة حقوق الإنسان.
غير أن هذا التشريع لا يشكل قطيعة مع الماضي، بل يأتي تتويجًا لمسار طويل من “الإعدام البطيء” الذي تعرض له الأسرى الفلسطينيون عبر عقود، من خلال الإهمال الطبي المتعمد، والتعذيب، والعزل، وظروف الاعتقال اللاإنسانية. وقد استُشهد أكثر من ثلاثمائة أسير نتيجة هذه السياسات، ما يؤكد أن القتل كان حاضرًا دائمًا، لكن بأدوات أقل صراحة، ليجري اليوم تقنينه ومنحه غطاءً قانونيًا رسميًا.
إن ما يجري هو انتقال نوعي من جريمة تُرتكب في الظل إلى جريمة تُشرعن في العلن؛ من سياسة إنكار إلى سياسة إعلان. وهو ما يعكس تحولًا عميقًا في بنية النظام السياسي للاحتلال، باتجاه ترسيخ منظومة قانونية عنصرية تُبيح القتل، وتُشرعن الإبادة والتطهير العرقي، ليس فقط في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس ، بل أيضًا داخل السجون.
ويأتي هذا القانون في سياق تصاعد العدوان على قطاع غزة، واستمرار الجرائم في الضفة الغربية، بما في ذلك إرهاب المستوطنين المنظم، ما يؤكد أن استهداف الأسرى ليس حالة منفصلة، بل جزء من سياسة شاملة لكسر إرادة الشعب الفلسطيني وإخضاعه بالقوة. غير أن التجربة التاريخية أثبتت أن هذه السياسات، مهما بلغت وحشيتها، فشلت وستفشل في تحقيق هذا الهدف.
إن إقرار هذا القانون، حال استكماله، يشكل جريمة حرب موصوفة، وانتهاكًا فجًا لاتفاقيات جنيف ولكل المواثيق الدولية، ويضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته القانونية والأخلاقية، ويفضح في الوقت ذاته ازدواجية المعايير وصمتًا لم يعد ممكنًا تبريره.
إن المطلوب اليوم يتجاوز بيانات الشجب والإدانة، إلى تحرك دولي عاجل وفاعل، سياسيًا وقانونيًا خاصة مع البرلمانات الدولية والاقليمية، لوقف هذا التشريع، ومحاسبة الاحتلال على جرائمه، وتوفير الحماية للأسرى الفلسطينيين. كما أن الواجب الوطني يفرض توحيد الصفوف، وتصعيد كل أشكال الفعل السياسي والشعبي، بما يوازي حجم هذا التحدي الوجودي.
في المحصلة، لن يمنح هذا القانون الاحتلال شرعية، بل سيكرّس عزلته، ويؤكد طبيعته كنظام استعماري عنصري قائم على القتل المنهجي. أما الأسرى الفلسطينيون، فسيبقون عنوانًا حيًا للكرامة والصمود، وشاهدًا دائمًا على فشل كل محاولات كسر إرادة شعب يناضل من أجل حريته.