تلفزيون نابلس
كوكا كولا
الانتخابات المحلية الفلسطينية: حين ينسحب أهل الكفاءة وتتقدم العصبيات
3/7/2026 2:58:00 AM

 مقال رأي – المحامي علي أبو حبلة

في الوقت الذي يعيش فيه الشرق الأوسط واحدة من أكثر مراحله اضطرابًا منذ عقود، تبدو الساحة الفلسطينية وكأنها تعيش مفارقة لافتة؛ فبينما تتجه الأنظار إلى المواجهة المتصاعدة بين إسرائيل وإيران في ظل انخراط مباشر من الولايات المتحدة، ينشغل الداخل الفلسطيني باستحقاق انتخابات المجالس البلدية والقروية والمحلية، وهو استحقاق يفترض أن يشكل ركيزة لتعزيز الحكم المحلي وإدارة الشأن العام. غير أن ما يحيط بهذه الانتخابات من ظواهر وسياقات يثير أسئلة عميقة حول مستقبل الإدارة المحلية في فلسطين، بل وحول طبيعة المشاركة السياسية ذاتها.
فالانتخابات المحلية في التجربة الفلسطينية لم تكن يومًا مجرد عملية إدارية لاختيار مجالس تقدم الخدمات البلدية، بل كانت على الدوام جزءًا من معادلة الصمود الوطني في ظل الاحتلال، ومختبرًا للمشاركة الشعبية وبناء المؤسسات. وقد لعبت البلديات والمجالس المحلية دورًا مهمًا في الحفاظ على تماسك المجتمع وإدارة شؤونه اليومية، خصوصًا في ظل القيود التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي على الحركة والتنمية في الضفة الغربية، وفي ظل الظروف الإنسانية والاقتصادية الصعبة في قطاع غزة.
لكن المشهد الانتخابي الحالي يكشف عن ظاهرة مقلقة تتمثل في عزوف عدد كبير من الشخصيات الوازنة وأصحاب الخبرة والكفاءة عن خوض الانتخابات المحلية في العديد من المحافظات الفلسطينية. وهو عزوف لا يمكن تفسيره فقط بعوامل شخصية أو مهنية، بل يعكس حالة أوسع من الإحباط السياسي والتردد في الانخراط في عمل عام باتت تحدياته أكبر من قدراته المؤسسية.
ويزداد هذا القلق عندما يترافق مع تنامي الصراعات العائلية والاعتبارات الفئوية في بعض المناطق، بحيث تتحول الانتخابات من منافسة على البرامج التنموية والرؤى الإدارية إلى صراع بين العائلات أو الحمولات الاجتماعية. وفي مجتمع ما زالت الروابط العائلية فيه مؤثرة في الحياة العامة، فإن غياب التوازن بين البعد الاجتماعي والمعايير المهنية قد يؤدي إلى نتائج لا تخدم بالضرورة مصلحة الحكم المحلي أو تطور العمل البلدي.
إلى جانب ذلك، يبرز جدل واسع حول تعديل قانون انتخابات الهيئات المحلية، إذ يرى كثير من المتابعين أن بعض التعديلات القانونية لم تأخذ بعين الاعتبار خصوصية البيئة السياسية والاجتماعية الفلسطينية. فالقانون الانتخابي ليس مجرد نصوص إجرائية، بل هو إطار ينظم التنافس ويحدد طبيعة المشاركة السياسية. وإذا لم يكن هذا الإطار منسجمًا مع الواقع الاجتماعي والسياسي، فقد يؤدي إلى نتائج عكسية، منها إضعاف تمثيل الكفاءات وتعزيز الاعتبارات الضيقة على حساب المعايير المهنية.
وتزداد أهمية هذه المخاوف في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلديات والمجالس المحلية، حيث تعاني العديد منها من أزمات مالية خانقة نتيجة تراجع الموارد وارتفاع تكاليف الخدمات. وفي مثل هذه الظروف، تصبح الحاجة ملحّة إلى قيادات محلية تمتلك الخبرة الإدارية والقدرة على التخطيط وإدارة الموارد المحدودة بكفاءة عالية.
إن غياب الكفاءات عن المنافسة الانتخابية لا يعني فقط خسارة أسماء أو شخصيات، بل قد ينعكس على مستوى الأداء المؤسسي للبلديات في السنوات المقبلة، وهو ما قد يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات العامة أو تعثر المشاريع التنموية في عدد من المدن والبلدات الفلسطينية.
وفي السياق الأوسع، لا يمكن فصل هذا المشهد عن التحولات الإقليمية الكبرى التي تعيشها المنطقة. فالحرب الدائرة بين إسرائيل وإيران، وما يرافقها من اصطفافات دولية وإقليمية، أعادت ترتيب أولويات العديد من القوى الدولية، الأمر الذي انعكس في تراجع الاهتمام الدولي بالقضية الفلسطينية في بعض المحافل. وفي ظل هذه التحولات، يصبح تعزيز صمود المؤسسات الفلسطينية، بما فيها الهيئات المحلية، مسألة ذات أهمية استراتيجية وليست مجرد شأن إداري.
من هنا، فإن نجاح الانتخابات المحلية لا يقاس فقط بنسبة المشاركة أو بعدد القوائم المتنافسة، بل بقدرتها على إفراز قيادات محلية قادرة على إدارة المدن والبلدات بروح مهنية ومسؤولية وطنية. فالمجالس المحلية ليست مجرد مؤسسات خدمية، بل هي جزء من البنية المؤسسية التي يقوم عليها مشروع بناء الدولة الفلسطينية.
إن التحدي الحقيقي أمام المجتمع الفلسطيني اليوم يتمثل في إعادة الاعتبار لقيمة الكفاءة والخبرة في العمل العام، وتوفير بيئة سياسية وقانونية تشجع الشخصيات المؤهلة على المشاركة بدلاً من العزوف. فالمجتمعات التي تنجح في إدارة شؤونها المحلية بكفاءة تكون أكثر قدرة على مواجهة التحديات الكبرى، سواء كانت سياسية أو اقتصادية.
وفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الشرق الأوسط، تبقى الانتخابات المحلية في فلسطين اختبارًا مهمًا لقدرة المجتمع على حماية مؤسساته من الانزلاق نحو العصبيات الضيقة، والحفاظ على روح المشاركة الوطنية التي شكلت على الدوام أحد أهم عناصر صموده.
فحين تنسحب الكفاءات من ميدان العمل العام، تتقدم العصبيات لملء الفراغ. أما حين تعود الخبرات لتقود المؤسسات، فإن المجتمع بأسره يكون أكثر قدرة على مواجهة الأزمات وبناء المستقبل

تصميم وتطوير: ماسترويب 2016
جميع الحقوق محفوظة