تلفزيون نابلس
كوكا كولا
"تنغيص الحياة".. أسلوب يتبعه الاحتلال لتفريغ محيط قبر يوسف
2/6/2026 6:36:00 PM

عمدت قوات الاحتلال الإسرائيلي، خلال الاقتحامين الأخيرين لقبر يوسف في مدينة نابلس شمال الضفة الغربية، إلى إخلاء بعض المنازل والبنايات القريبة من سكانها، بذريعة استخدامها كثكنات عسكرية ونقاط مراقبة لتأمين الحماية للمستوطنين أثناء أدائهم طقوسهم التلمودية.

أطفال ونساء وشيوخ ومرضى أجبروا على الخروج ليلاً من منازلهم في أجواء ماطرة وباردة، ليبحثوا عن مأوى يقيمون فيه حتى يطلع الصباح وينسحب الاحتلال والمستوطنون، فيعودون بعدها إلى منازلهم.

ويثير هذا الإخلاء المخاوف من أن الهدف الحقيقي هو التنغيص على حياة السكان لدفعهم إلى الانتقال إلى منازل بعيدة وتفريغ المنطقة من الوجود الفلسطيني.

قصة عائلة مرعي

عدي مرعي، الذي تسكن عائلته في عمارة "الكمال" بشارع عمان القريبة من قبر يوسف، والتي طردت من منزلها في الاقتحامين الأخيرين، استضاف أفراد عائلته في منزله البعيد عن المنطقة ليقضوا ليلتهم هناك.

ويقول مرعي "في كل اقتحام لقبر يوسف، يقتحم جنود الاحتلال البناية ويجبرون سكانها على مغادرتها، ويمهلونهم دقائق معدودة لأخذ احتياجاتهم".

ويشكك مرعي في الهدف المعلن من إخلاء المنازل، مشيرًا إلى أن الاحتلال لم يلجأ لهذا الأسلوب حتى في ظل المواجهات العنيفة التي شهدها محيط القبر في السنوات الماضية، فلماذا يلجأ له الآن في الوقت الذي يزداد فيه الاعتماد على الطائرات المسيرة للمراقبة؟.

ومع حديث الإعلام الإسرائيلي عن وجود خطط لإعادة السيطرة على قبر يوسف، تزداد مخاوف عائلة مرعي وبقية العائلات من أن ما ينتظرهم في قادم الأيام أصعب مما سبق، وأن تتحول حياتهم إلى جحيم لا يُطاق.

ويقع قبر يوسف في قرية بلاطة البلد داخل حدود مدينة نابلس، وتزعم "إسرائيل" أنه يعود للنبي يوسف عليه السلام، وذلك بخلاف الروايات والحقائق التاريخية التي تنفي ذلك.

ويقتحم المستوطنون قبر يوسف ليلاً بشكل شبه شهري، ويؤدون فيه طقوسًا تلمودية بمشاركة حاخامات ومسؤولين إسرائيليين، وبحماية مشددة من قوات الاحتلال.

ويخضع القبر حاليًا لحراسة الأمن الفلسطيني، الذي يرابط هناك على مدار الساعة، ولا يغادر إلا خلال اقتحام قوات الاحتلال والمستوطنين للقبر.

وخلال السنوات الماضية، كان محيط قبر يوسف يتحول إلى ساحة حرب مع كل اقتحام، وعانى السكان كثيرًا من قنابل الغاز التي يطلقها الاحتلال، فضلاً عن الرصاص الذي يشكل خطرًا عليهم ويلحق أضرارًا بمنازلهم.

لكن ذلك الأسلوب لم يفلح في تفريغ المنطقة، والآن يتبع الاحتلال أسلوبًا آخر للتنغيص على سكان المنطقة ودفعهم للبحث عن منازل بعيدة.

وبسبب الانتشار الواسع لجيش الاحتلال في الشوارع المحيطة بقبر يوسف، ساعدت طواقم الإسعاف التابعة للجمعيات الأهلية في إخلاء العائلات وتأمينهم في منازل أقاربهم.

ويقول مدير جمعية الإغاثة الطبية في نابلس غسان حمدان، إن ما تحتاجه العائلات المخلاة ليس مجرد مساعدتها على مغادرة منازلها، إنما منع تكرار هذه السياسة، وهذا بحاجة إلى موقف على أعلى المستويات والبحث عن سبل مواجهتها.

ويلفت حمدان إلى أن الجنود المقتحمين للمنازل يتعمدون التعامل بوحشية، فهم مقنعون وأشكالهم تثير الرعب في نفوس الأطفال والنساء، كما أن الاقتحام يأتي في وقت تكون فيه العائلات تستعد للنوم، فيخرجونهم بقوة السلاح في العراء.

ويؤكد مدير الإغاثة الطبية أن هذا الأسلوب ليس سوى محاولة جديدة لطرد السكان من المنطقة، وتضييق الخناق عليهم، وتحميلهم فوق طاقتهم لدفعهم للتفكير بترك المنطقة طوعًا، تحضيرًا لمخططات مستقبلية في قبر يوسف.

ويشدد على أن الإخلاء ليس له علاقة بأغراض أمنية، مضيفًا: "في السابق لم يكن يتم إخلاء البنايات. هذه سياسة جديدة طُبقت في أكثر من موقع مؤخرًا، والهدف هو السيطرة على منطقة أوسع من القبر ذاته، وهناك نماذج ماثلة، أبرزها في البلدة القديمة بمدينة الخليل".

ويبدي مرعي خشيته من أن الهدف ليس قبر يوسف فقط، وإنما السيطرة على دائرة أوسع وربما إقامة بؤرة استيطانية جديدة وسط نابلس، وما يعزز مخاوفه هو الحديث عن زيادة مدة الاقتحامات لساعات أطول.

وفي الأشهر الأخيرة، كشف الإعلام الإسرائيلي عن مخططات للعودة الدائمة إلى قبر يوسف، بدل الاقتحامات الدورية التي تتم بشكل شهري.

ويتحدث الباحث المختص بالشأن الإسرائيلي عزام أبو العدس عن ما تداوله الإعلام الإسرائيلي بشأن خطة مرحلية للتواجد الدائم في قبر يوسف.

ويوضح أن الخطة تبدأ بزيادة المدة التي يمكث فيها المستوطنون في القبر لتتمد إلى ساعات النهار، وذلك لأول مرة منذ إخلاء القبر قبل 25 عامًا مع انطلاق انتفاضة الأقصى.

ويبين "أبو العدس"، أن رئيس مجلس مستوطنات شمال الضفة يوسي داغان، وعضو الكنيست المتطرف تسفي سوكوت، قدما مشروعًا للحكومة والجيش يقضي بتطوير تواجد المستوطنين في قبر يوسف، ليكون أولًا خلال النهار، ثم وضع منطقة القبر تحت سيطرة الجيش، ثم إقامة مدرسة دينية، ثم مستوطنة.

ويوضح، أنه تم الإعلان عن الخطة بعد الموافقة عليها، وبدأ تطبيق الخطوة الأولى منها بتواجد المستوطنين خلال النهار، وهو ما جرى في الاقتحام الأخير الذي بدأ مساء 28 يناير/ كانون الثاني، وانتهى في الساعة الثامنة من صباح اليوم التالي.

تداعيات خطيرة

ويحذر أبو العدس من تداعيات خطيرة لوجود مستوطنة في قبر يوسف على مختلف جوانب الحياة في نابلس، مبينًا أن ذلك سيوجه ضربة قاضية لمنطقة دوار العودة (الغاوي) وشارع عمان، وهي منطقة حيوية اقتصاديًا، وستتعرض المنشآت التجارية فيها للإغلاق الدائم وربما لهجمات المستوطنين.

ويلفت إلى وجود 3 مدارس في محيط القبر، بينها مدرسة قدري طوقان، إحدى أعرق مدارس نابلس، وهذه المدارس ستكون عرضة إما للاستيلاء عليها، أو منع الدوام، أو ستتعرض العملية التعليمية للتشويش بسبب الاحتكاك الدائم.

كما أن قرية بلاطة البلد، التي يقع القبر في أراضيها، سيكون وضعها مشابهًا لوضع البلدة القديمة في الخليل، وما تتعرض له من اعتداءات وتضييق مستمر.

ويشير إلى أن وجود الجيش الدائم في المنطقة يعني احتكاكًا مستمرًا بين الجيش والمواطنين، خاصة في مخيمي بلاطة وعسكر، وستتحول المنطقة الشرقية إلى منطقة خطرة.

ويؤكد أن تأثير هذه المستوطنة سيشمل كل مدينة نابلس، لأنها لا تبعد سوى كيلومتر واحد عن شارع فيصل، الذي يخترق وسط نابلس ويعتبر أكثر شوارعها حيوية.

نقلا عن "وكالة سند"


تصميم وتطوير: ماسترويب 2016
جميع الحقوق محفوظة