
كتب وليد العوض:
تشهد الساحة الفلسطينية عمومًا جدلًا صامتًا تغلب عليه المخاوف تجاه ما يمكن أن تؤول إليه الأمور في قطاع غزة ارتباطًا بالمستقبل الوطني الفلسطيني، كما تشهد البقايا المدمرة من قطاع غزة انتظارًا على أحرّ من الجمر لما يمكن أن تحمله لجنة التكنوقراط من نتائج تخفف الألم بعد حرب إبادة استمرت، وما تزال، أكثر من عامين، مع الأخذ بعين الاعتبار أن ما نشهده اليوم بشأن “إدارة انتقالية” أو “لجنة تكنوقراط” لحكم غزة ليس حلًا طارئًا فرضته الحرب، بل هو إعادة إحياء مشروع قديم صيغ بهدوء قبل عشرين عامًا، حين وُضعت أسس التعامل مع غزة لا كجزء من مشروع تحرر وطني، بل كمساحة سكانية تحتاج إدارة وضبطًا أمنيًا تحت إشراف دولي. رغم طيب النوايا والظروف التي حكمت أعضاء اللجنة في القبول بهذه المهمة المحفوفة بالمخاطر والمحاذير.
وثيقة ورشات عمل مدريد حول الحكم في قطاع غزة (2004) تكشف بوضوح أن الفكرة لم تكن يومًا تمكين الفلسطينيين من السيادة والاستقلال، بل إعادة تشكيل حكمهم وفق شروط خارجية. فالوثيقة لا تتحدث عن تطوير السلطة الفلسطينية، بل عن إنشاء إدارة بديلة “منفصلة قانونيًا وبالكامل عن السلطة الوطنية الفلسطينية”، في خطوة تمثل تفكيكًا متعمدًا للتمثيل السياسي الفلسطيني واستبداله ببنية وظيفية جديدة.
الأخطر أن الشرعية في هذا النموذج لا تنبع من الشعب، بل من الخارج، إذ تشترط الوثيقة أن يحظى أي هيكل حكم في غزة بمصادقة مجلس الأمن الدولي (لاحظوا: هذا ما تم في القرار 2803).
بمعنى أوضح: القبول الدولي يسبق الإرادة الوطنية. وهنا يتحول الحكم من حق سياسي إلى امتياز يُمنح لمن يلتزم بالشروط تحت أي ظرف.
أما السيادة، وخصوصًا في بعدها الأمني، فتظهر في الوثيقة كجائزة مؤجلة لا كحق أصيل. فهي تربط إدارة الفلسطينيين للحدود بوجود أمني دولي قوي يضمن بقاء غزة “منزوعة السلاح”.
أي أن الأمن — جوهر أي سيادة — يبقى عمليًا خارج السيطرة الفلسطينية، ويُوضع تحت وصاية دائمة بحجة الاستقرار. هذه ليست دولة قيد التكوين، بل كيان منزوع الإرادة الأمنية كما منزوع السيادة.
ولا تتوقف المسألة عند حدود الصلاحيات، بل تمتد إلى الجغرافيا السياسية نفسها. فالوثيقة تتعامل مع غزة كوحدة قائمة بذاتها يمكن أن تُدار بنظام خاص، وتشير إلى أن أي انسحاب إسرائيلي من مناطق أخرى قد يتبع النموذج نفسه.
هنا تتجلى الرؤية بوضوح: تفكيك القضية الفلسطينية إلى ملفات إدارية منفصلة، حيث تصبح كل منطقة “حالة خاصة” تحتاج إدارة انتقالية، بدل أن تكون جزءًا من دولة واحدة تحت الاحتلال.
ويأتي خطاب “الإصلاح” ليمنح هذا المشروع غطاءً أخلاقيًا، عبر الادعاء أن النظام الفلسطيني غير قابل للإصلاح من داخله. لكن هذا الخطاب لا يفتح الباب لإصلاح ديمقراطي، بل لتجاوز السياسة أصلًا، واستبدالها بحكم تكنوقراطي مشروط يعمل ضمن سقف سياسي مرسوم مسبقًا، ومقبول دوليًا فقط إذا التزم بالمعايير الأمنية والسياسية المطلوبة.
النتيجة ليست تحييد السياسة، بل مصادرتها. فالتكنوقراط هنا لا يُطلب منهم تمثيل الناس، بل إدارة السكان. الفرق جوهري: التمثيل السياسي يفترض حق الاختيار، أما الإدارة التقنية فتفترض أن المشكلة ليست في الاحتلال بل في “سوء الحوكمة”.
في هذا السياق، تتحول القضايا الكبرى — القدس، اللاجئون، إنهاء الاحتلال — إلى ملفات مؤجلة إلى أجل غير مسمى، بينما يُختزل المشهد في معابر وأجهزة أمن وتنسيق ومراقبة دولية. أي أننا أمام انتقال خطير: من مشروع تحرر وطني إلى مشروع إدارة أزمة إنسانية مزمنة.
غير أن ما يجعل هذا الطرح قابلًا للتسويق اليوم هو الكارثة التي صنعتها الحروب منذ عقدين من الزمن، بفعل مقامرة غير محسوبة أو تواطؤ ربما يكشف عنه الزمن، لتكون هذه النتيجة التي نحن أمامها اليوم. فغزة لم تُستنزف سياسيًا فقط، بل إنسانيًا إلى حد الانهيار. أحياء كاملة سُوّيت بالأرض، البنية التحتية تحطمت، المستشفيات بالكاد تعمل، مئات آلاف العائلات نزحت، وملايين البشر يعيشون على حافة الجوع والعطش وفقدان الأمان.
في هذا الجحيم اليومي، لا يفكر الناس في النظريات السياسية، بل في النجاة: سقف يقيهم من البرد في خيمة تقتلعها الرياح ويغرقها المطر، دواء لمريض، ماء صالح للشرب، مدرسة لأطفالهم. وهنا تحديدًا يُعاد تقديم مشاريع قديمة بثوب إنساني جديد: الوصاية تُسوَّق كإغاثة، والقيود السيادية تُقدَّم كضمانات استقرار.
المعضلة الأخلاقية والسياسية أن معاناة الناس الحقيقية تُستخدم لتمرير ترتيبات قد تحدد مصيرهم لعقود. فالإنسان الذي يبحث عن خيمة لا يُسأل عن رأيه في طبيعة النظام السياسي، لكن النظام الذي يُفرض في لحظة ضعفه قد يصبح الإطار الدائم لحياته ومن بعده.
من زاوية القانون الدولي، يُفترض أن أي مرحلة انتقالية تحت إشراف دولي تكون قصيرة ومحددة الهدف: تمكين الشعب من تقرير مصيره الكامل. لكن ما يُطرح لغزة يشبه نماذج “الوصاية الحديثة” غير المعلنة: إدارة محلية في الشكل، تحكم فعلي خارجي في الجوهر، وسيادة مؤجلة إلى أجل غير معروف.
إن المشكلة اليوم ليست في وجود دعم دولي، بل في أن يتحول هذا الدعم إلى سقف دائم بدل أن يكون جسرًا نحو الاستقلال. عندها لا نكون أمام دولة قيد الولادة ولو بعد عقود، بل أمام نظام إدارة طويل الأمد لشعب منزوع السيادة.
السؤال لم يعد من سيحكم غزة إداريًا، بل:
هل يُراد لغزة أن تكون نواة دولة، أم مختبرًا دائمًا لإدارة السكان تحت إشراف دولي ؟ غزة 24/1/2026
أخبار الاقتصاد
أخبار اسرائيلية
أخبار فلسطينية
أخبار دولية
أخبار فلسطينية
|
تصميم وتطوير: ماسترويب 2016 |