
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
لم يكن ما تتعرّض له فنزويلا، ولا ما يواجهه رئيسها المنتخب نيكولاس مادورو، حدثًا عابرًا أو نتيجة خلاف سياسي طارئ. ما يجري هو عقاب سياسي ممنهج لدولة اختارت أن تكون صاحبة قرار مستقل، خارج منظومة الهيمنة الأميركية، في نظام دولي لا يتسامح مع من يخرج عن بيت الطاعة.
فنزويلا تُعاقَب أولًا لأنها كسرت جدار الصمت الدولي. فقد عبّرت، دون مواربة، عن دعمها الصريح للقضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني، وسمّت الاحتلال الإسرائيلي احتلالًا، وأدانت جرائم الحرب المرتكبة في غزة والضفة الغربية والقدس. في منطق القوة السائد، لا يُنظر إلى هذا الموقف بوصفه التزامًا أخلاقيًا أو قانونيًا، بل يُصنَّف كـ«تمرّد سياسي» يستوجب الردع والعقاب. فالدول التي تنحاز إلى حقوق الشعوب بدل مصالح القوى الكبرى، تُدرج تلقائيًا في خانة الاستهداف.
غير أن فلسطين، على مركزيتها، ليست السبب الوحيد. ففنزويلا تُعاقَب أيضًا لأنها رفضت الخضوع للإملاءات الأميركية، وأصرّت على سيادتها السياسية والاقتصادية، واحتفظت بقرارها النفطي المستقل، وهي تمتلك واحدة من أكبر احتياطات النفط في العالم. وفي زمن تُدار فيه الجغرافيا السياسية بمنطق السيطرة على مصادر الطاقة، يصبح الاستقلال الاقتصادي جريمة لا تُغتفر.
إن اجتماع القرار السيادي، والثروة الاستراتيجية، والموقف السياسي المستقل يجعل من فنزويلا خطرًا في عقلية الهيمنة، حتى وإن لم تُطلق رصاصة واحدة أو تعتدِ على أحد. فـ«الخطر» في هذا المنطق لا يكمن في السلاح، بل في النموذج الذي يُغري الآخرين بالسير في الطريق ذاته.
وليس من قبيل المصادفة أن يترافق كل تصعيد ضد فنزويلا مع ضجيج وشماتة في الإعلام الإسرائيلي. فإسرائيل لا تخفي عداءها لأي دولة ترفض الانصياع، ولا ترتاح إلا لعالم صامت أو خاضع. إسكات الأصوات الحرة بات هدفًا استراتيجيًا، لأن وجودها يفضح زيف الخطاب الغربي حول الديمقراطية وحقوق الإنسان حين تتعارض مع المصالح.
الأخطر من ذلك، أن ما يُمارَس ضد فنزويلا يشكّل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. فالعقوبات الأحادية، والحصار الاقتصادي، ومحاولات نزع الشرعية عن رئيس منتخب، بل والتلويح أو التخطيط لاختطافه، تمثّل قرصنة سياسية وجريمة دولية، لأنها تستهدف دولة ذات سيادة وشعبًا بأكمله خارج أي إطار قانوني أممي، وترقى في آثارها إلى جرائم حرب جماعية من حيث التجويع والعقاب الجماعي.
لقد تحوّل القانون الدولي، في هذه المرحلة، إلى أداة انتقائية: يُستدعى لمعاقبة الضعفاء، ويُعطَّل حين يتعلّق الأمر بالقوى الكبرى. الولايات المتحدة تتصرّف وكأنها فوق القانون الدولي، وفوق المساءلة، وفوق الشرعية الدولية، في سابقة خطيرة تقوّض ما تبقّى من النظام الدولي القائم على القواعد، وتفتح الباب أمام شريعة الغاب.
نحن أمام عالم يُدار بمنطق القوة لا العدالة، وبميزان المصالح لا القيم. وحين تُترك البلطجة الدولية بلا محاسبة، لا تعود الفوضى استثناءً، بل تصبح هي القاعدة.
في هذا السياق، فإن الصمت ليس حيادًا، بل مشاركة غير مباشرة في الجريمة. الصمت تواطؤ، والتغاضي شرعنة، والتبرير خيانة لمبادئ القانون الدولي التي وُجدت أصلًا لحماية الدول والشعوب من تغوّل الأقوياء.
ما تتعرّض له فنزويلا اليوم ليس شأنًا داخليًا، بل اختبار حقيقي للنظام الدولي:
إمّا عالم تحكمه القوانين والمواثيق الدولية،
وإمّا عالم تحكمه شهوة القوة واحتقار السيادة.
والتاريخ، كما علّمنا، لا يرحم المتواطئين… ولا ينسى من وقفوا في صف العدالة، ولو كانوا قلة.
|
تصميم وتطوير: ماسترويب 2016 |