تلفزيون نابلس
كوكا كولا
العام الدراسي بين مطرقة الأزمة المالية وسندان حقوق المعلمين: هل يضيع مستقبل الطلبة؟
8/31/2025 3:30:00 AM

بقلم: المحامي علي أبو حبلة – رئيس تحرير صحيفة صوت العروبة

 

تشهد الساحة التعليمية الفلسطينية واحدة من أخطر الأزمات التي قد تنعكس على مستقبل مئات آلاف الطلبة، وذلك إثر قرار وزارة التربية والتعليم بتأجيل افتتاح العام الدراسي، وربط الاتحاد العام للمعلمين عودة العملية التعليمية بصرف رواتب الأشهر (حزيران/يونيو، تموز/يوليو، وآب/أغسطس). إن هذا التطور لا يمكن النظر إليه كحدث نقابي بحت، بل هو انعكاس مباشر لأزمة مالية واقتصادية وسياسية متراكمة تمس جوهر الحق في التعليم، أحد أهم الحقوق الأساسية التي نصت عليها المواثيق الدولية.

أولاً: المعلم بين ضغوط المعيشة وحق التلاميذ في التعليم

إن شرط الاتحاد العام للمعلمين صرف الرواتب قبل العودة إلى مقاعد الدراسة يعكس عمق الأزمة المعيشية التي يعيشها المعلمون نتيجة تأخر الرواتب أو صرفها مجتزأة. فلا يمكن مطالبة المعلم بالقيام بواجبه التربوي وهو محروم من أبسط مقومات الحياة الكريمة. في المقابل، يصبح الطلبة الضحية الأولى لهذا التجاذب، إذ أن تأجيل الدراسة أو تعطيلها يحرمهم من حق أساسي كفلته المادة 26 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ويهدد بجعلهم وقودًا لصراع مالي وسياسي لا دخل لهم فيه.

ثانياً: غزة بين الحرب وضياع المستقبل التعليمي

لا يمكن النظر إلى الأزمة في الضفة الغربية بمعزل عن الواقع الكارثي في غزة، حيث خسر الطلبة هناك ما يزيد على عامين كاملين من التعليم بسبب العدوان الإسرائيلي المتواصل، وتدمير المدارس والجامعات، وتحويل المئات منها إلى مراكز إيواء للنازحين. إن أطفال غزة، الذين يعيشون تحت الحصار والدمار، يواجهون خطر أمية جيلية حقيقية إذا لم يتم تدارك الوضع، وهو ما يجعل أي تعطيل إضافي للتعليم في الضفة الغربية بمثابة مضاعفة للكارثة الوطنية.

إن إسرائيل بصفتها قوة احتلال، وفقًا للقانون الدولي الإنساني واتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، تتحمل المسؤولية الكاملة عن حماية حق التعليم وضمان وصوله، ولا يجوز لها بأي حال أن تتنصل من التزاماتها، خاصة وأن سياساتها العسكرية والاقتصادية هي السبب المباشر في تعطيل العملية التعليمية.

ثالثاً: تداعيات كارثية على العملية التعليمية

استمرار التأجيل أو الذهاب نحو تعطيل العام الدراسي يحمل مخاطر بعيدة المدى:

تراجع المستوى التعليمي نتيجة تقليص الأيام الدراسية، وضغط المناهج في فترات قصيرة.

ارتفاع معدلات التسرب المدرسي، خاصة في المناطق المهمشة حيث يشكل التعليم بيئة الحماية الأولى للأطفال.

إضعاف صورة التعليم الفلسطيني عربيًا ودوليًا، وهو ما قد ينعكس على فرص الدعم الدولي للقطاع.

تفاقم الأزمات الاجتماعية، إذ أن تعطيل الدراسة يضيف عبئًا على الأسر الفلسطينية المثقلة أصلًا بالبطالة والفقر.

رابعاً: قصور في الرؤية الحكومية

ما يزيد من خطورة المشهد هو غياب خطة حكومية واضحة لمعالجة الأزمة المالية. فالاكتفاء بالتصريحات والوعود لا يلبي حاجة المعلمين ولا يطمئن أولياء الأمور. إن عجز الحكومة عن تأمين انتظام الرواتب، رغم خطورة الموقف، يعكس خللًا هيكليًا في إدارة المال العام وغياب أولويات واضحة تضع التعليم على رأس سلم الاهتمامات.

خامساً: دور المجتمع الدولي والمنظمات الأممية

إن صمت المجتمع الدولي أمام حرمان الطلبة الفلسطينيين من حقهم في التعليم يمثل خرقًا صريحًا لالتزامات الأمم المتحدة في حماية حقوق الطفل والإنسان.

وعليه، فإننا نطالب:

1. منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) باتخاذ خطوات عملية ورفع تقارير دورية لمجلس الأمن والجمعية العامة حول خطورة تعطيل العملية التعليمية بفعل الاحتلال الإسرائيلي.

2. منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) بتكثيف جهودها في توفير التعليم في حالات الطوارئ، ودعم برامج إعادة تأهيل المدارس في غزة والضفة، وتقديم الدعم النفسي والتربوي للأطفال.

3. مجلس حقوق الإنسان والهيئات الدولية المختصة بالضغط على إسرائيل كقوة احتلال لتحمل مسؤولياتها القانونية والأخلاقية في ضمان سير العملية التعليمية، انسجامًا مع قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة (A/RES/64/290) بشأن "الحق في التعليم في حالات الطوارئ".

4. تفعيل آليات المساءلة الدولية ضد الانتهاكات الإسرائيلية التي تمس المؤسسات التعليمية، باعتبارها جرائم حرب وفق نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

سادساً: التعليم كأولوية وطنية

في النهاية، لا بد من التأكيد أن التعليم ليس ملفًا هامشيًا يمكن تأجيله أو التضحية به تحت ضغط الأزمات المالية والسياسية. إنه الركيزة الأساسية لبناء الدولة الفلسطينية وتعزيز صمود شعبها. وأي مساس بالعام الدراسي سيترك ندوبًا عميقة في الوعي الجمعي وفي بنية المجتمع الفلسطيني.

إن مشهد الطلبة في غزة وقد ضاع من مستقبلهم عامان كاملان، يجب أن يكون جرس إنذار للجميع، بأن التعليم في فلسطين بات على حافة الانهيار إذا لم تتضافر الجهود الوطنية والدولية لإنقاذه.

الخلاصة: الأزمة الراهنة ليست مجرد نزاع حول الرواتب، بل معركة على مستقبل جيل بأكمله في الضفة وغزة على حد سواء. إن إنقاذ العام الدراسي مسؤولية وطنية ودولية، تتطلب شجاعة في اتخاذ القرار داخليًا، وتحركًا فاعلًا من اليونسكو واليونيسف والمجتمع الدولي للضغط على إسرائيل كي تتحمل مسؤولياتها كقوة احتلال، وتكف عن استهداف الحق في التعليم.


تصميم وتطوير: ماسترويب 2016
جميع الحقوق محفوظة