تلفزيون نابلس
كوكا كولا
فجوة الخوارزميات: لماذا تخشى النساء الذكاء الاصطناعي أكثر من الرجال؟
2/8/2026 6:43:00 PM

 يُروَّج للذكاء الاصطناعي بوصفه المحرّك الأكبر لموجة جديدة من النمو الاقتصادي، وقاطرةً لرفع الإنتاجية وتسريع الابتكار. غير أن دراسة حديثة تكشف أن هذا الوعد لا يُستقبل بالدرجة نفسها لدى الجميع، إذ تظهر فجوة واضحة بين النساء والرجال في تقييم مخاطر الذكاء الاصطناعي، خصوصاً عندما تتعلّق آثاره بمستقبل الوظائف وعدم اليقين في سوق العمل.

وتشير نتائج الدراسة إلى أن النساء، مقارنة بالرجال، ينظرن إلى الذكاء الاصطناعي على أنه أكثر خطورة، ويبدين حذراً أكبر تجاه تبنّيه، لا سيما عندما تكون المكاسب الاقتصادية غير مؤكدة. ويحذّر الباحثون من أن تجاهل هذه المخاوف في سياسات الذكاء الاصطناعي قد لا يرسّخ فقط فجوة جندرية قائمة، بل قد يقود أيضاً إلى ردود فعل سياسية وتنظيمية معاكسة للتكنولوجيا.

فجوة تتجاوز المعرفة التقنية

تنطلق الدراسة من فرضية أساسية: فوائد الذكاء الاصطناعي وتكاليفه لن تتوزع بالتساوي. فبينما قد تعزّز التقنيات الذكية بعض الوظائف أو تعيد تشكيلها، فإن وظائف أخرى، خصوصاً الإدارية والكتابية والخدمية، تبدو أكثر عرضة للأتمتة. وتُظهر البيانات أن النساء ممثلات بنسبة أعلى في هذه القطاعات، في حين يظل حضورهن أقل في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، وفي المناصب القيادية التي تفتح الطريق نحو وظائف الذكاء الاصطناعي الأعلى أجراً.

هذا الخلل البنيوي، بحسب الدراسة، لا ينعكس فقط في فجوة الأجور، بل أيضاً في اختلاف جذري في المواقف. فالنساء لا يبدين تشككاً أكبر لأنهن أقل معرفة، بل لأن المخاطر التي يواجهنها واقعية ومباشرة أكثر.

المخاطرة والتعرّض لها

تسلّط الدراسة الضوء على عاملين حاسمين في تفسير الفجوة: التوجه نحو المخاطرة والتعرّض للمخاطر. فالأول يتعلق بمدى استعداد الفرد لتحمّل عدم اليقين، بينما يشير الثاني إلى احتمال أن يواجه الشخص خسائر أو مكاسب مباشرة نتيجة تبني الذكاء الاصطناعي، تبعاً لموقعه في سوق العمل.

وترى الدراسة أن النساء في المتوسط أكثر نفوراً من المخاطرة، وأكثر عرضة لاضطرابات وظيفية ناتجة عن الأتمتة. ويؤكد الباحثون أن هذه الأنماط ليست «سمات فطرية»، بل نتاج تراكمات اجتماعية واقتصادية وبُنى عمل غير متكافئة.

اختبار واقعي للمواقف

لاختبار هذه الفرضيات، أُجري استطلاع واسع عبر منصة «YouGov» شمل مشاركين من الولايات المتحدة وكندا. طُلب من المشاركين تقييم مخاطر وفوائد الذكاء الاصطناعي التوليدي، وقياس استعدادهم لتحمّل المخاطرة، إضافة إلى اختبار مواقفهم ضمن سيناريوهات افتراضية لتبنّي الشركات لهذه التقنيات مع احتمالات متفاوتة لتحقيق مكاسب وظيفية.

وأظهرت النتائج أن النساء أكثر ميلاً من الرجال للاعتقاد بأن مخاطر الذكاء الاصطناعي تفوق فوائده، بفجوة تقارب 11 في المائة. غير أن هذه الفجوة تتقلّص، بل تختفي أحياناً، لدى الأفراد الأكثر ميلاً لتحمّل المخاطرة، ما يشير إلى أن النفور من عدم اليقين يلعب دوراً مركزياً في تشكيل المواقف.

ليست معارضة مطلقة

تكشف التجربة المسحية أن دعم النساء لاعتماد الذكاء الاصطناعي يتراجع بوتيرة أسرع كلما انخفضت احتمالات المكاسب الصافية في الوظائف. وعندما تكون الفوائد مؤكدة، تتضاءل الفجوة بين الجنسين إلى حد فقدان دلالتها الإحصائية. المعنى هنا واضح: النساء لسن ضد الذكاء الاصطناعي من حيث المبدأ، لكنهن أكثر حساسية لغياب الضمانات الاقتصادية.

اختلاف في تصور المخاطر

وعند تحليل الإجابات المفتوحة، برز تباين نوعي في طريقة التفكير. فقد ركّزت النساء بدرجة أكبر على فقدان الوظائف والبطالة، وأبدين قدراً أعلى من عدم اليقين بشأن الفوائد الاقتصادية. في المقابل، ركّز الرجال على الإنتاجية والكفاءة والمخاطر المجتمعية العامة، مثل الاستخدامات الخبيثة للتقنيات.

دلالات سياسية واقتصادية

لا تقف أهمية هذه النتائج عند حدود التحليل الاجتماعي، بل تمتد إلى السياسة العامة. فإذا أدى حذر النساء إلى تراجع استخدامهن لأدوات الذكاء الاصطناعي، فقد يقلّ تمثيلهن في مسارات تطوير هذه التقنيات وصياغة قواعد حوكمتها. كما قد تتحول المخاوف الجندرية إلى عامل تعبئة سياسي، يدفع نحو مطالب تنظيمية أشد أو تباطؤ في التبني.

تخلص الدراسة إلى رسالة واضحة: سياسات الذكاء الاصطناعي التي تتجاهل التعرّض غير المتكافئ للمخاطر، وتفاوت فرص الاستفادة، واختلاف إدراك المخاطرة، لا تهدد العدالة الاجتماعية فحسب، بل تقوّض الثقة العامة في التحول الرقمي نفسه. ومن ثم، فإن الاستثمار في حماية القوى العاملة، وإعادة التأهيل، والحوكمة الشاملة، ليس خياراً أخلاقياً فقط، بل شرطاً ضرورياً لشرعية عصر الخوارزميات.


تصميم وتطوير: ماسترويب 2016
جميع الحقوق محفوظة