
وكلاء ذكيون يرسلون رسائل البريد الإلكتروني ويتخذون قرارات نيابةً عن الموظفين.. ومؤسسات أمام تحديات جديدة في المسؤولية والرقابة
واشنطن – لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تساعد الموظفين على كتابة رسائل البريد الإلكتروني، بل بدأ يتحول إلى طرف فاعل في عملية التواصل نفسها، بعدما باتت بعض الأنظمة قادرة على إرسال الرسائل والرد عليها وإدارة المهام نيابةً عن أصحابها، ما يفتح الباب أمام واقع جديد قد تتواصل فيه أنظمة الذكاء الاصطناعي مع بعضها بعضاً دون تدخل بشري مباشر.
وتكشف هذه التطورات عن تحول لافت في بيئة العمل؛ فبينما كان الموظف يستخدم الذكاء الاصطناعي لصياغة رسالة ثم يراجعها ويرسلها بنفسه، أصبح بإمكان «وكلاء الذكاء الاصطناعي» إدارة المحادثة كاملة، من تحديد المطلوب وتوزيع المهام إلى متابعة التنفيذ والرد على الطرف الآخر.
وتزداد هذه الظاهرة انتشاراً بالتزامن مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي في أماكن العمل. وتشير بيانات حديثة إلى أن أكثر من نصف الموظفين في الولايات المتحدة يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي في أعمالهم، فيما يأتي الكتابة والتحرير والتواصل في مقدمة الاستخدامات.
وفي إحدى الحالات، تلقى موظف رسالة إلكترونية مهنية تتضمن تحديثاً بشأن مشروع مشترك والخطوات المطلوبة والمسؤوليات، قبل أن يتبين أن الرسالة بأكملها صاغها وأرسلها وكيل ذكاء اصطناعي يعمل نيابةً عن أحد المشاركين في المشروع.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ إذ نسخ الطرف الآخر الرسالة إلى أداة ذكاء اصطناعي لديه، وحصل على رد صاغه النظام وأرسله بدوره. وهكذا بدا الحوار ظاهرياً وكأنه يجري بين شخصين، بينما كانت الآلات هي التي تتولى جانبي المحادثة.
ويرى خبراء أن هذا التحول قد يحمل فوائد كبيرة للشركات والموظفين، خصوصاً في ظل الكم الهائل من الرسائل والمحادثات اليومية التي تستهلك ساعات طويلة من وقت العاملين.
وفي بعض الحالات، أثبتت أدوات الذكاء الاصطناعي قدرتها على صياغة مراسلات أكثر وضوحاً وأقل تعقيداً، بل وأكثر تعاطفاً من بعض الرسائل التي يكتبها الموظفون.
لكن زيادة الاعتماد على الذكاء الاصطناعي تطرح سؤالاً أكثر تعقيداً: من المسؤول عندما يتحدث الذكاء الاصطناعي باسم الإنسان؟
فإذا أرسل وكيل ذكي رسالة تتضمن وعداً أو التزاماً أو قراراً، فمن يتحمل المسؤولية عنها؟ الموظف؟ المدير؟ الشركة؟ أم الجهة التي طورت النظام؟
ويرى متخصصون أن المؤسسات بحاجة إلى وضع حدود واضحة لما يمكن تفويضه للذكاء الاصطناعي وما يجب أن يبقى حصراً بيد الإنسان.
ومن أبرز المهام التي يصعب تفويضها بالكامل تقييم أداء الموظفين، وتقديم الملاحظات الحساسة، والقرارات القيادية، والمحادثات التي تتطلب التعاطف والثقة والحكم البشري.
فالهدف من بعض هذه المهام لا يقتصر على نقل المعلومات، وإنما يقوم أساساً على العلاقة الإنسانية بين المدير والموظف.
ويأخذ استخدام الذكاء الاصطناعي في التواصل عدة مستويات؛ تبدأ باستخدامه كأداة مساعدة لتحسين نص يكتبه الإنسان، ثم الانتقال إلى مرحلة يتولى فيها النظام كتابة المسودة بينما يراجعها المستخدم سريعاً، وصولاً إلى مرحلة أكثر تقدماً يصبح فيها الوكيل مسؤولاً عن إدارة التواصل بالكامل نيابةً عن صاحبه.
وهنا تكمن إحدى أبرز المخاطر: أن ينتقل الموظف تدريجياً من استخدام الذكاء الاصطناعي كمساعد إلى الاعتماد عليه في التفكير واتخاذ القرار دون أن يدرك حجم التفويض الذي منحه له.
لمواجهة هذه التحديات، تبرز ثلاثة مبادئ رئيسية:
أولاً: تحديد ما لا يمكن تفويضه.
يجب على المؤسسة تحديد المحادثات والقرارات التي تتطلب حضوراً بشرياً كاملاً.
ثانياً: جعل التفويض واعياً ومحدداً.
ينبغي أن يعرف الموظف بدقة ما الذي سمح للذكاء الاصطناعي بفعله وما الذي لا يحق له القيام به.
ثالثاً: تحديد مسؤول بشري عن كل وكيل.
حتى عندما يعمل النظام بصورة مستقلة، يجب أن يكون هناك شخص محدد يتحمل مسؤولية مخرجاته وتصرفاته.
ولا يكفي أن يُطلب من الوكيل الذكي الالتزام بتعليمات معينة، إذ ينبغي أن تكون هناك ضوابط خارج النظام نفسه، مثل تحديد صلاحيات الوصول إلى البيانات، ووضع سقوف للإنفاق، وفرض موافقة بشرية قبل القرارات ذات الأثر المالي أو القانوني أو الإداري الكبير.
وبذلك لا تصبح الرقابة البشرية مطالبة بمراجعة كل رسالة يرسلها الذكاء الاصطناعي، وإنما تتحول إلى نظام حوكمة يحدد مسبقاً حدود ما يستطيع الوكيل فعله.
ومع توسع استخدام وكلاء الذكاء الاصطناعي، يبدو أن المؤسسات تدخل مرحلة جديدة لا يكون فيها السؤال: «هل نستخدم الذكاء الاصطناعي؟»، بل «إلى أي مدى نسمح له بأن يتحدث ويتصرف باسمنا؟»
فالذكاء الاصطناعي الذي كان يكتب الرسالة نيابةً عن الموظف، أصبح قادراً على إرسالها والرد على الطرف الآخر ومتابعة المهمة. وفي المستقبل، قد يصبح من الطبيعي أن تتولى أنظمة الذكاء الاصطناعي التواصل فيما بينها لإنجاز جانب كبير من الأعمال اليومية.
لكن التحدي الحقيقي لن يكون في قدرة الآلات على التواصل، بل في قدرة البشر على وضع الحدود والمسؤوليات والقواعد التي تحدد متى تتحدث الآلة، ومتى يجب أن يتحدث الإنسان.
أخبار فلسطينية
أخبار اسرائيلية
أخبار محلية
|
تصميم وتطوير: ماسترويب 2016 |