تلفزيون نابلس
كوكا كولا
"مرايا الذكاء الاصطناعي.. كيف منح المكفوفين القدرة على رؤية أنفسهم وإعادة اكتشاف الجمال"
1/30/2026 7:37:00 PM

 لطالما اعتبر المكفوفون أن رؤيتهم لذاتهم محدودة، وأن فهمهم لجمالهم ومظهرهم يعتمد على وصف الآخرين. لكن الذكاء الاصطناعي بدأ يغيّر هذه المعادلة بشكل جذري، موفراً لهم “مرآة رقمية” تمنحهم لمحة عن أنفسهم لم تكن ممكنة من قبل.

ميلاغروس كوستابل، كاتبة مستقلة وناشطة في مجال حقوق ذوي الإعاقة من أوروغواي، تقول إنها كفيفة تماماً منذ ولادتها. وباستخدام تطبيق "Be My Eyes"، الذي يعني "كن مرآتي"، باتت قادرة على مشاركة صورها مع الذكاء الاصطناعي لتقييم مظهرها، بما في ذلك بشرتها ومظهرها العام، وكأنها تنظر إلى انعكاسها في مرآة افتراضية.

لوسي إدواردز، صانعة محتوى كفيفة معروفة بشغفها بالجمال وتصميم المكياج، تقول: “لسنوات، اعتقدنا أن جمالنا يكمن في جوهرنا، وأننا لن نتمكن من رؤيته أبداً. وفجأة أصبح بإمكاننا الوصول إلى معلومات دقيقة عن أنفسنا وعن العالم من حولنا، وهذا يغير حياتنا بالكامل”.

الذكاء الاصطناعي كمرآة رقمية

تمكن التطبيقات القائمة على الذكاء الاصطناعي المكفوفين من الحصول على ملاحظات دقيقة حول مظهرهم، بما يشمل تقييم بشرتهم، ملامحهم، وحتى تنسيق ملابسهم. فالتكنولوجيا لم تعد تكتفي بوصف المشهد الخارجي، بل تقدم تحليلاً شخصياً ومقارنات تتيح للمستخدم معرفة نقاط القوة والضعف في مظهره.

ميلاغروس تصف تجربتها اليومية: “أبدأ صباحي بروتين عناية بالبشرة، ثم ألتقط صورة أشاركها مع الذكاء الاصطناعي. يقدّم لي تقييمات دقيقة من حيث الرطوبة والمظهر العام، وكأنني أرى نفسي لأول مرة”.

ومع أن هذه القدرة توفر للمكفوفين استقلالية أكبر وتمكّنهم من التعرف على أنفسهم بطريقة لم يسبق لها مثيل، إلا أنها تأتي بتحديات نفسية كبيرة.

الذكاء الاصطناعي وسلطة المعايير الجمالية

تشير الدراسات إلى أن الأشخاص الذين يسعون لتقييم مستمر لجسمهم يكونون أكثر عرضة لعدم الرضا عن مظهرهم. ومع الذكاء الاصطناعي، يحصل المكفوفون على تعليقات مباشرة وفقاً لمعايير الجمال الغربية التقليدية، التي قد تكون غير واقعية أو غير شاملة للاختلافات الثقافية والجسدية.

هيلينا لويس سميث، خبيرة علم النفس الصحي بجامعة بريستول، تقول: “الذكاء الاصطناعي يسمح للمستخدمين بمقارنة أنفسهم ليس فقط بصور الآخرين، بل بما يعتبره التطبيق نسخة مثالية من الشخص نفسه، وهذا قد يزيد من القلق والاكتئاب ويؤثر على صورة الجسد لديهم”.

إمكانيات غير محدودة، لكن بحذر

من الشركات الرائدة في هذا المجال، شركة إنفيجن، التي طورت نظارات ذكية ومساعدات رقمية للمكفوفين، لتقديم معلومات فورية ودقيقة عن العالم المرئي. كارثيك ماهاديفان، الرئيس التنفيذي للشركة، يوضح: “أصبح بإمكان المستخدمين استخدام التكنولوجيا لأمور بسيطة مثل التسوق أو قراءة الرسائل، لكن أيضاً لأمور شخصية مثل المكياج أو تنسيق الملابس. هذه القدرة على الوصول إلى مظهرهم تعطيهم شعوراً بالاستقلالية والثقة”.

ومع ذلك، يسلط الخبراء الضوء على مخاطر محتملة، مثل الهلوسات الرقمية، حيث يقدم الذكاء الاصطناعي معلومات غير دقيقة أو معدلة عن مظهر المستخدم. ويضيفون أن التحقق البشري في بعض التطبيقات يساهم في تقليل هذه المخاطر، لكنه ليس متاحاً دائماً.

انعكاس الذات بين الفرصة والخطر

ميلاغروس تقول: “يمكنني أن أطلب من الذكاء الاصطناعي وصف نفسي بطريقة رومانسية، أو في جملة بسيطة، أو حتى في قصيدة. هذه الأوصاف تغيّر نظرتنا لأنفسنا”. ولكن هذه القدرة قد تكون سلاحاً ذا حدين، إذ يمكن أن يزيد الشعور بالنقص أو القلق إذا لم يعكس الوصف الواقع بدقة.

الباحثة ميريل ألبر من جامعة نورث إيسترن تؤكد: “الذكاء الاصطناعي كمرآة نصية يقدّم معلومات بصرية صرفة، لكنه لا يفهم السياق النفسي أو الثقافي للفرد، وهذا يمكن أن يخلق فجوة بين الواقع والتقييم”.

تكنولوجيا تمكّن المكفوفين من إعادة اكتشاف الذات

بالنسبة للكثير من المكفوفين، هذه التطبيقات تمثل ثورة شخصية، تتيح لهم التفاعل مع العالم بطرق لم يكن بالإمكان الوصول إليها سابقاً. لوسي إدواردز تقول: “أصبحت التكنولوجيا تقدم لنا معلومات غنية عن صورنا اليومية، وكيف كنا نبدو في لحظات مهمة في حياتنا. حتى لو لم نرَ الجمال كما يراه المبصرون، فإن هذه القدرة تمنحنا سعادة واطمئناناً لم نكن نملكه من قبل”.

الخلاصة:
الذكاء الاصطناعي أصبح اليوم مرآة جديدة للمكفوفين، تمنحهم القدرة على رؤية أنفسهم وإعادة اكتشاف جمالهم الذاتي، مع كل ما يرافق هذه القدرة من تحديات نفسية واجتماعية. وبينما تفتح هذه التكنولوجيا آفاقاً غير مسبوقة، تظل الحاجة ماسة لفهم تأثيراتها بدقة وحذر لضمان أن تكون مصدر قوة وتمكين، لا مصدر ضغط أو قلق.


تصميم وتطوير: ماسترويب 2016
جميع الحقوق محفوظة