2/26/2026 7:50:00 AM
كشف مركز الدعم القانوني الأوروبي (إي إل إس سي) عن إطلاق أول قاعدة بيانات شاملة توثّق أنماط القمع التي تعرّض لها المتضامنون مع القضية الفلسطينية في بريطانيا، وذلك ضمن تقرير جديد يحمل عنوان "مؤشر القمع".
ووفق المؤشر الذي أطلقه المركز اليوم، جرى توثيق 964 حادثة خلال الفترة ما بين عامي 2019 و2025، شملت حالات فصل من العمل، وملاحقات قانونية، وتحقيقات مؤسسية، إضافة إلى إجراءات تأديبية طالت معلمين وأكاديميين وناشطين وموظفين في قطاعات مختلفة.
تصاعد بعد 7 أكتوبر
التقرير أُعدّ بالتعاون مع منظمة فورانزيك آركيتكتشر، وأشار إلى تصاعد حاد في وتيرة الاستهداف عقب أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، معتبرا أن ذلك يعكس تحولا في تعاطي مؤسسات بريطانية مع حرية التعبير المرتبطة بالصراع العربي الإسرائيلي.
وتحدث التقرير عن ما وصفه بـ"تحالف عضوي" يضم منصات إعلامية وجماعات ضغط قانونية ومؤسسات رسمية، يعمل – بحسب معدّيه – على تكريس حالة من الرهبة أو "تأثير التجميد"، بهدف ردع الأصوات المتضامنة مع فلسطين عبر التشهير والمساءلات الإدارية والقانونية.
128 حادثة مرتبطة بـ"يو كيه إل إف آي"
وسلّط التقرير الضوء على دور منظمة محامون من أجل "إسرائيل" (يو كيه إل إف آي)، مشيرا إلى تورّطها في 128 حادثة قمع موثقة، من خلال تقديم بلاغات وشكاوى رسمية إلى مدارس وجامعات ومستشفيات، للمطالبة باتخاذ إجراءات تأديبية ضد موظفين أو إزالة مظاهر تضامنية.
ومن الأمثلة التي أوردها التقرير، واقعة إزالة رسومات لأطفال من غزة من أحد مستشفيات لندن بدعوى أنها "هجومية"، إلى جانب عشرات حالات الفصل التعسفي والملاحقات والتشهير.
قضية مارك بونيك
ومن أبرز الحالات التي رصدها التقرير، فصل مارك بونيك، مدير المعدات في نادي أرسنال، بعد تغريدة على منصة "إكس" عبّر فيها عن دعمه للشعب الفلسطيني.
بونيك، الذي بدأ عمله جزئيا عام 2002 وثُبّت رسميا منذ 2013، أنهى النادي خدماته في ديسمبر/كانون الأول 2024 بعد 22 عاما من العمل.
وفي تصريحات صحفة وصف بونيك فصله بأنه "تعسفي"، معتبرا أن وسائل إعلام "أخرجت كلماته من سياقها". كما أشار إلى ما وصفه بازدواجية المعايير، مستشهدا بموقف سابق للنادي من اللاعب محمد النني بشأن حرية التعبير على المنصات الشخصية.
وقال بونيك إن "الصمت هو تكتيك لإخافة الناس"، مضيفا أن الخوف هو الهدف من هذه الإجراءات، لكنه شدد على أن الصمت لم يعد خيارا عندما تُنتهك القيم الأخلاقية.
التعليم في صدارة القطاعات المتضررة
من جهتها، أكدت كبيرة المسؤولين القانونيين في الفريق البريطاني بالمركز، آنا أوست، أن القطاع التعليمي كان الأكثر تضررا، مسجلا 336 حادثة. وأشارت إلى أن معلمين واجهوا اتهامات بخرق "قواعد الحياد السياسي" لمجرد إدانتهم الحرب على غزة أو مشاركتهم في أنشطة تضامنية خارج أوقات العمل.
وأوضح التقرير أن بعض المعلمين والطلاب تعرضوا لمراقبة داخل الحرم الجامعي، وتقدم شكاوى ضدهم من مجموعات طلابية، ما أدى في بعض الحالات إلى تعطيل مساراتهم الأكاديمية والمهنية.
أدوات قانونية وإدارية
ورأى التقرير أن هذه المنظومة تستند إلى أداتين رئيسيتين:
تعريف التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست (آي إتش آر إيه) لمعاداة السامية، والذي يُستخدم – بحسب التقرير – كأساس إداري لتجريم انتقاد الصهيونية وخلطه بالكراهية العرقية.
قانون الإرهاب البريطاني 2000، الذي وسّع صلاحيات الشرطة في ملاحقة ناشطين تحت ذريعة "دعم منظمات محظورة"، ما أدى – وفق التقرير – إلى تسجيل 131 حالة اعتقال ومراقبة مكثفة، خصوصا بحق ناشطين عرب ومسلمين.
"هندسة القمع"
مديرة قسم البحث والتوثيق في المركز، أميرة عبد الحميد، أوضحت أن القمع لا يبدأ دائما بإجراءات شرطية، بل يمر بمراحل "هندسية"، تبدأ – وفق وصفها – بحملات تشويه إعلامي.
وأضافت أن نحو ثلث الحالات الموثقة، أي ما يقارب 300 حالة، انطلقت من تغطيات إعلامية اتهمت ناشطين بمعاداة السامية أو دعم الإرهاب، قبل أن تتبعها إجراءات مؤسسية بالفصل أو العقاب.
وأشارت كذلك إلى حالات طالت تأشيرات إقامة، من بينها قضية ناشط طلابي في كينجز كوليج لندن واجه إلغاء تأشيرته وتهديدا بالترحيل بسبب نشاطه التضامني داخل الحرم الجامعي.
أداة توثيق ومساءلة
ويؤكد معدّو التقرير أن قاعدة البيانات الجديدة تمثل أداة لتوثيق الانتهاكات وتحويل حملات التشويه إلى أدلة يمكن الاستناد إليها في مساءلة الممارسات المؤسسية المقيدة للحريات.
ومع صدور التقرير، يبرز نقاش متجدد حول واقع حرية التعبير في المملكة المتحدة، في ظل ما وصفه متضررون بـ"حرب على كل الجبهات" ضد المتضامنين مع فلسطين.
كما أشار القائمون على التقرير إلى وجود حالات إضافية لم تُوثّق بعد، ما يضع مبادئ حرية التعبير في بريطانيا أمام اختبار متواصل في مواجهة ضغوط جماعات الضغط.
وبحسب إفادات متضررين، فإن الإجراءات العقابية لم تؤدِّ إلى إنهاء التضامن، بل دفعت إلى ربط الدفاع عن القضية الفلسطينية بالدفاع عن الحقوق المدنية والسياسية داخل المجتمع البريطاني نفسه.