12 دولة تحاصر منتجات المستوطنات.. وإسرائيل تخشى السيناريو الأسوأ: العقوبات تتمدد
9/9/2026 9:41:00 PM

 تواجه إسرائيل تداعيات سياسية واقتصادية متصاعدة بعد إعلان 12 دولة غربية، بينها بريطانيا وفرنسا وكندا، عزمها حظر استيراد منتجات المستوطنات الإسرائيلية، في خطوة تقول هذه الدول إنها تأتي ردًا على التوسع الاستيطاني وأعمال عنف المستوطنين وسياسات الضم في الضفة الغربية.

 

ورغم أن التأثير الاقتصادي المباشر للقرار قد يكون محدودًا في مرحلته الأولى، فإن القلق الإسرائيلي يبدو مرتبطًا بما هو أبعد من قيمة الصادرات المتضررة، إذ تخشى تل أبيب أن تتحول الخطوة إلى بداية لمسار غربي أوسع ينتقل من الإدانات السياسية إلى إجراءات اقتصادية وقانونية فعلية.

وردّت إسرائيل على القرار بسلسلة إجراءات استهدفت بريطانيا، من بينها إغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية، وإبعاد ممثلين بريطانيين من مركز التنسيق المدني العسكري الخاص بقطاع غزة في كريات غات، إضافة إلى وقف المشاركة البريطانية في تدريب قوات تابعة للسلطة الفلسطينية ومنع دخول 12 شخصية بريطانية منتخبة إلى إسرائيل.

لماذا تخشى إسرائيل توسع المقاطعة؟

لا تكمن المخاوف الإسرائيلية فقط في حجم الخسائر التي يمكن أن تسببها مقاطعة منتجات المستوطنات، والتي يُتوقع أن تكون محدودة في البداية، وإنما في الرسالة السياسية والقانونية التي تحملها هذه الخطوة.

فالدول الغربية التي أعلنت الإجراءات لا تكتفي هذه المرة بالتصريحات والاستنكار، بل تنتقل إلى فرض قيود عملية على منتجات مرتبطة بالمستوطنات، بما يعكس تحولًا في طريقة التعامل مع المشروع الاستيطاني.

وتخشى إسرائيل من أن تتحول الإجراءات المحدودة إلى ما يشبه «كرة ثلج» تتوسع تدريجيًا لتشمل قطاعات وشركات أخرى، خصوصًا البنوك الإسرائيلية التي تمول أنشطة في المستوطنات، والشركات التي تمتلك فروعًا أو مصالح اقتصادية فيها.

كما يبرز سيناريو أكثر خطورة بالنسبة لإسرائيل، يتمثل في انتقال الإجراءات مستقبلًا من منتجات المستوطنات إلى شركات إسرائيلية أو قطاعات اقتصادية مرتبطة بها، وربما إلى الاقتصاد الإسرائيلي بصورة أوسع إذا استمرت سياسات الضم والتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية.

خسائر مباشرة محدودة.. لكن المخاوف أبعد

يُعد الاتحاد الأوروبي أكبر شريك تجاري لإسرائيل، إذ يستحوذ على نحو ثلث صادراتها. ولا توجد بيانات دقيقة تحدد بصورة كاملة حجم الصادرات الإسرائيلية القادمة من المستوطنات، إلا أن تقديرات سابقة قدرتها بنحو 2% من إجمالي الصادرات، أي ما يقارب 300 مليون يورو سنويًا.

لكن الضرر المحتمل لا يرتبط فقط بقيمة هذه المنتجات، إذ إن آليات التحقق من منشأ البضائع قد تزيد من الأعباء على الشركات، كما يمكن أن توجه رسالة للشركات الأوروبية بشأن مخاطر التعامل التجاري والاستثماري مع جهات مرتبطة بالمستوطنات.

وبحسب بيانات تجارة السلع لعام 2025 المستندة إلى قاعدة «UN Comtrade»، بلغت صادرات إسرائيل إلى الدول الغربية الـ12 مجتمعة نحو 7.2 مليارات دولار، مقابل واردات بقيمة تقارب 11.3 مليار دولار، ليصل إجمالي التجارة السلعية بين الجانبين إلى نحو 18.5 مليار دولار، أي قرابة 12% من إجمالي تجارة إسرائيل السلعية خلال العام نفسه.

وبلغت الصادرات الإسرائيلية عالميًا عام 2025 نحو 58.8 مليار دولار، مقابل واردات بلغت نحو 95.5 مليار دولار.

فرنسا وبريطانيا في قلب المعادلة

تحتل فرنسا موقعًا بارزًا في العلاقات التجارية مع إسرائيل ضمن هذه المجموعة، إذ تبلغ قيمة التجارة السلعية بين البلدين نحو 3.8 مليارات دولار.

وتشمل الصادرات الإسرائيلية إلى فرنسا معدات طبية وبصرية وإلكترونيات وآلات ومواد بلاستيكية وكيميائية ومعادن، بينما تستورد إسرائيل من فرنسا السيارات والآلات والأدوية ومستحضرات التجميل والإلكترونيات ومعدات الطيران.

أما بريطانيا، فتتجاوز العلاقات معها التجارة السلعية لتشمل قطاعات الخدمات والمال والتكنولوجيا والاستشارات والسايبر.

وبلغ حجم التجارة في السلع والخدمات بين البلدين نحو 6 مليارات جنيه إسترليني عام 2025، بينها نحو 3.6 مليارات دولار من تجارة السلع، فيما وصلت صادرات الخدمات البريطانية إلى إسرائيل إلى نحو 1.9 مليار جنيه إسترليني.

وتشمل تجارة السلع بين الجانبين الأحجار والمعادن الثمينة والبلاستيك والآلات والإلكترونيات والمعدات الطبية، مقابل السيارات والآلات والأدوية والإلكترونيات التي تستوردها إسرائيل من بريطانيا.

التكنولوجيا والأدوية في صلب العلاقات

وتكشف طبيعة التجارة بين إسرائيل والدول الـ12 أن العلاقات الاقتصادية لا تقتصر على السلع التقليدية، بل ترتكز بدرجة كبيرة على قطاعات التكنولوجيا المتقدمة والمعدات الطبية والإلكترونيات والأدوية والمواد الكيميائية والآلات.

وفي إيرلندا، بلغت صادرات إسرائيل نحو 1.54 مليار دولار، بينها قرابة 1.4 مليار دولار من المعدات الكهربائية والإلكترونية، بينما تشمل الصادرات الإيرلندية إلى إسرائيل الأدوية والمعدات الطبية والآلات والمواد الكيميائية ومستحضرات التجميل.

كما تتسم العلاقات التجارية مع إسبانيا وبولندا بتنوع صناعي واسع، بينما تتركز التجارة مع الدول الإسكندنافية في قطاعات متخصصة، مثل الأدوية والمعدات الطبية والآلات والسيارات والأخشاب والورق والأسماك.

وتستورد إسرائيل من الدنمارك أدوية بقيمة تقارب 288 مليون دولار، فيما تجاوزت قيمة وارداتها من الأسماك النرويجية 207 ملايين دولار خلال عام 2025.

شبكة اقتصادية يصعب تجاهلها

ولا تقوم العلاقات بين إسرائيل وهذه الدول على التجارة وحدها، بل تستند إلى شبكة من اتفاقيات التجارة والتعاون الاقتصادي.

فثماني دول من المجموعة أعضاء في الاتحاد الأوروبي، الذي استحوذ على 31.7% من تجارة إسرائيل السلعية العالمية عام 2025. وبلغت التجارة السلعية بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل نحو 43.3 مليار يورو، إضافة إلى تجارة خدمات بلغت 26.6 مليار يورو عام 2024.

وترتبط إسرائيل والاتحاد الأوروبي باتفاقية شراكة منذ عام 2000، فيما ترتبط بريطانيا بإسرائيل باتفاقية تجارة وشراكة مستقلة، بينما تجمع إسرائيل وكندا اتفاقية تجارة حرة تعود إلى عام 1997 وتم تحديثها عام 2019.

كما ترتبط إسرائيل بالنرويج وآيسلندا ضمن اتفاقية التجارة الحرة مع رابطة التجارة الحرة الأوروبية «إفتا».

السؤال الأخطر: إلى أين يتجه المسار؟

ورغم أن الحظر الحالي لا يمثل عقوبة تجارية شاملة على إسرائيل، فإنه يكرس فصلًا قانونيًا واقتصاديًا بين إسرائيل والمستوطنات، ويفتح الباب أمام توسيع الإجراءات مستقبلًا من نطاق السلع إلى الشركات والاستثمارات والتمويل والخدمات.

ومن هنا، فإن الخسارة الاقتصادية المباشرة قد تكون محدودة، لكن التداعيات السياسية والقانونية قد تكون أكبر بكثير.

فإذا بقيت الإجراءات محصورة في منتجات المستوطنات، قد تتمكن إسرائيل من استيعاب آثارها نسبيًا. أما إذا تحولت إلى سياسة أوروبية جماعية، أو شملت الشركات التي تمول أو تبني أو تقدم خدمات للمستوطنات، فقد تجد الشركات الإسرائيلية نفسها أمام قيود أوسع في الأسواق الأوروبية والغربية.

وتأتي هذه التطورات في وقت يواجه فيه الاقتصاد الإسرائيلي حالة من عدم الاستقرار، ما قد يزيد من الضغوط الاقتصادية مستقبلًا.

كما تحمل العقوبات بُعدًا سياسيًا داخليًا، إذ تأتي في ظل المعركة الانتخابية الإسرائيلية، وقد تشكل إحراجًا للحكومة التي قدمت خلال الأشهر الماضية قدرتها على منع فرض عقوبات اقتصادية أوسع على إسرائيل.

وبذلك، لا تبدو المعركة الحالية مرتبطة فقط بقيمة منتجات المستوطنات التي قد تختفي من الأسواق الغربية، بل بالسؤال الأكبر: هل تبقى العقوبات محدودة بالمستوطنات، أم تتحول تدريجيًا إلى ضغط اقتصادي وسياسي أوسع على إسرائيل؟


تصميم وتطوير: ماسترويب 2016
جميع الحقوق محفوظة