إسرائيل تفرض سيادتها الأمنية على الضفة الغربية.. بديل أقل كلفة من الضم المباشر
1/12/2026 7:30:00 AM
لم تعد إسرائيل بحاجة إلى إعلان ضم الضفة الغربية المحتلة حتى تفرض سيطرتها عليها، فبعيدا عن القوانين والقرارات الرسمية، تتشكل على الأرض معادلة جديدة تُنهي الصراع عمليا عبر حسمه ميدانيا، مستندة إلى مفهوم "السيادة الأمنية" بوصفه بديلا أقل كلفة من الضم المباشر.
هذه المقاربة شكّلت جوهر النقاش في حلقة برنامج "مسار الأحداث"، حيث بدا واضحا أن ما يجري في الضفة ليس تصعيدا ظرفيا، بل مسارا إستراتيجيا يسعى إلى حسم الصراع جذريا، عبر تفكيك شروط قيام الدولة الفلسطينية بدل الاكتفاء بإدارة الصراع معها.
ومنذ تشكيل حكومة اليمين المتطرف نهاية عام 2022، تسارعت التحولات الميدانية في الضفة، على نحو يوحي بأن إسرائيل تستثمر اللحظة الإقليمية والدولية لفرض وقائع يصعب التراجع عنها، مستفيدة من انشغال العالم بحرب غزة وتبدل أولويات واشنطن.
وفي هذا السياق، يرى الأكاديمي والخبير في الشؤون الإسرائيلية الدكتور مهند مصطفى أن "الحسم" لم يعد شعارا أيديولوجيا، بل خطة متعددة المراحل تبدأ بإلغاء أي أرضية سياسية أو جغرافية تسمح بقيام كيان فلسطيني مستقل، حتى قبل الوصول إلى الضم.
ووفق هذا التصور، لا تعود السيطرة الأمنية مجرد إجراء احترازي، بل تتحول إلى بديل كامل عن "السيادة القانونية"، حيث تفرض إسرائيل سلطتها على الأرض، والحدود، والحركة، والموارد، دون تحمل التزامات الدولة الضامة أو تبعاتها القانونية الدولية.
ما يميز المرحلة الحالية، كما يبرز في التحليل، هو إدخال فاعل جديد إلى منظومة السيطرة، يتمثل في ميليشيات استيطانية مسلحة تعمل تحت مظلة سلطة الاحتلال، وتؤدي وظيفة مزدوجة: تنفيذ "العمل القذر" ميدانيا، وتوفير غطاء إنكاري للمؤسسة الرسمية.
هذا التداخل بين الجيش والمستوطنين، كما يشرحه مصطفى، لا يمكن فصله عن مفهوم السيادة الأمنية، إذ تصبح المليشيات جزءا من أدوات الحكم، لا جماعات خارجة عن القانون، في ظل حماية سياسية وقضائية وأمنية ممنهجة.
مسارات ضاغطة
في المقابل، تُقرأ الحياة اليومية في الضفة بوصفها انعكاسا مباشرا لهذه السياسة، حيث تتقاطع 3 مسارات ضاغطة: توسع استيطاني عنيف، وخنق اقتصادي متصاعد، وتقييد شامل للحركة، بما يجعل الوجود الفلسطيني ذاته موضع اختبار دائم.
أستاذ العلوم السياسية في جامعة بيرزيت الدكتور غسان الخطيب يلفت إلى أن الهدف لا يقتصر على السيطرة، بل يتعداه إلى جعل الحياة "غير قابلة للاحتمال"، بما يدفع الفلسطينيين تدريجيا إلى التفكير بالهجرة، في ما يشبه تهجيرا بطيئا لا يحتاج إلى قرارات رسمية.
بيد أن هذا المسار، كما يبيّن الخطيب، يصطدم حتى الآن بتمسك اجتماعي لافت بالأرض، خاصة في المناطق الريفية المحيطة بالمستوطنات، حيث تلعب الروابط العائلية والتكافل المجتمعي دور خط الدفاع الأخير في مواجهة الزحف الاستيطاني.
لا تعود السيطرة الأمنية مجرد إجراء احترازي، بل تتحول إلى بديل كامل عن "السيادة القانونية"، حيث تفرض إسرائيل سلطتها على الأرض، والحدود، والحركة، والموارد، دون تحمل التزامات الدولة الضامة أو تبعاتها القانونية الدولية.
لكنّ هذا الصمود، رغم أهميته، لا يغيّر من حقيقة أن إسرائيل تتصرف في الضفة الغربية بوصفها منطقة خاضعة لسيادتها الكاملة، وهو ما يجعل النقاش حول "الضم" أقرب إلى جدل لفظي، ما دام أن الممارسات على الأرض تجاوزت معناه السياسي.
ومن هذا المنظور، يرى الخطيب أن محاكمة السلوك الإسرائيلي أكثر دقة من الاكتفاء بمتابعة التصريحات، إذ لا يختلف نمط السيطرة الحالي كثيرا -عمّا قد يكون عليه الحال في ظل ضم معلن- في الجوهر، وإنما في الشكل فقط
اللافت أن هذا التحول لا يتم بمعزل عن الموقف الأميركي، حيث يبرز تمييز لافت بين منع الضم الكامل من خلال تشريع، والتغاضي عن ممارسات الضم التدريجي، وهو ما يفتح المجال أمام إسرائيل للمضي في إستراتيجيتها دون اصطدام مباشر مع واشنطن.
الموقف الأميركي
المسؤول السابق في الخارجية الأميركية الدكتور توماس واريك يصف هذا النهج بأنه "غياب للضوء الأحمر" أكثر من كونه ضوءا أخضر صريحا، موضحا أن إدارة ترامب تركز على منع خطوة دراماتيكية واحدة، وتتجاهل تراكم الخطوات الصغيرة.
هذه المقاربة، كما يحذر واريك، تمنح إسرائيل مساحة واسعة لفرض وقائع يومية لا تستدعي ردود فعل أميركية حادة، خاصة في ظل انشغال الإدارة بملفات غزة وإيران وسوريا ولبنان، ما يدفع الضفة إلى أسفل سلّم الأولويات.
في السياق الفلسطيني، يرى رئيس قسم العلوم السياسية في جامعة الخليل الدكتور بلال الشوبكي أن الرهان على الموقف الأميركي وحده ينطوي على قدر كبير من الوهم، خاصة في ظل تجربة طويلة من التصريحات غير المترجمة إلى ضغوط فعلية.
ويعتبر الشوبكي أن إسرائيل تتحرك انطلاقا من قناعة بقدرتها على حسم الصراع، مستفيدة من اختلال موازين القوى والدعم الأميركي، ما يستدعي، فلسطينيا، بلورة هدف مضاد لا يقوم على الحسم، بل على منعه وإفشاله.
هذا الهدف، وفق تحليله، لا يمكن تحقيقه دون إعادة بناء الموقف الفلسطيني داخليا، عبر إنهاء الانقسام، وتجديد المؤسسات، وتفعيل منظمة التحرير، باعتبارها إطارا تمثيليا يتجاوز محدودية السلطة الفلسطينية ووظيفتها الإدارية.
في المقابل، تراقب إسرائيل السلطة الفلسطينية بوصفها كيانا قابلا للتقزيم أو الإنهاء، مع تفضيل الإبقاء عليها بصيغة منزوعة السياسة، تتولى الشؤون المدنية دون أن تشكل عنوانا لمشروع وطني منافس.
هذا السيناريو، كما يراه مصطفى، ينسجم تماما مع منطق "السيادة الأمنية"، حيث تُدار حياة الفلسطينيين دون الاعتراف بحقهم في السيادة، وتُستخدم السلطة كأداة ضبط لا كشريك سياسي.