أزمة المراسلة المصرفية تنفرج مؤقتاً.. لكن أزمة الشيكل عند المواطن لم تُحل
8/16/2026 7:40:00 AM

 تكشف تقارير إسرائيلية أن أزمة الشيكل والعلاقة بين البنوك الفلسطينية والإسرائيلية لم تعد مجرد مشكلة مصرفية، بل تحولت إلى ورقة سياسية في يد وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، في وقت تحذر فيه أوساط في الجيش الإسرائيلي من اقتراب الضفة الغربية من نقطة انفجار نتيجة تزامن عنف المستوطنين مع التدهور الاقتصادي وضعف السلطة الفلسطينية.



وبحسب مقال للمحلل الإسرائيلي نداف إيال في "يديعوت أحرونوت"، يخشى الجيش من تدهور واسع في الضفة، فيما يرى جهاز الأمن العام الإسرائيلي "الشاباك" أن منع انهيار السلطة الفلسطينية يخدم مصلحة أمنية إسرائيلية، حتى وإن كان أقل تشاؤماً من الجيش بشأن احتمال انفجار فوري.


وهنا تظهر المفارقة فإسرائيل تضغط على السلطة واقتصادها، بينما تحذر أجهزتها الأمنية من النتائج إذا تجاوز الضغط نقطة الانهيار. وتظهر هذه المعادلة بأوضح صورها في ملف الشيكل والبنوك.


من حماية البنوك إلى مقايضة سياسية
يعتمد النظام المصرفي الفلسطيني في معاملاته الرئيسية بالشيكل مع إسرائيل على بنكي هبوعليم وديسكونت، اللذين يعملان كبنوك مراسلة، ومن خلالهما تتم تسوية المدفوعات والتحويلات بين البنوك الفلسطينية والإسرائيلية.


وتمر عبر هذه القناة معاملات بعشرات مليارات الشواكل سنوياً، بما يجعل استمرارها ضرورياً للتجارة الفلسطينية مع إسرائيل وتسديد أثمان الوقود والكهرباء والسلع والخدمات.


ولحماية البنكين الإسرائيليين من دعاوى محتملة مرتبطة بتمويل الإرهاب وغسل الأموال، تمنحهما الحكومة الإسرائيلية منذ سنوات "خطابات تعويض" توفر لهما حماية من جانب من المخاطر القانونية الناتجة عن التعامل مع المصارف الفلسطينية.


لكن "يديعوت أحرونوت" تقول إن سموتريتش أدرك القوة السياسية التي تمنحه إياها هذه الآلية، فتحولت التمديدات من إجراء مالي يضمن استمرار العلاقة المصرفية إلى ورقة تفاوض سياسية.


وبحسب الصحيفة، استخدم سموتريتش استمرار الحماية للحصول على أثمان مرتبطة بالاستيطان، مستفيداً من الضغوط الأميركية والأوروبية والدولية التي تخشى أن يؤدي انهيار القناة المصرفية إلى أزمة اقتصادية فلسطينية أوسع.


وتتقاطع هذه الرواية مع تقرير إسرائيلي نقل عن مسؤول إسرائيلي ربط التمديد الأخير للحماية المصرفية حتى نهاية عام 2026 بإقرار تمويل 34 مستوطنة جديدة بنحو 1.3 مليار شيكل، وهو التمويل الذي أكدت تقارير دولية إقراره في تموز/يوليو.


وهكذا لم تعد إحدى القنوات الأساسية التي تربط الاقتصاد الفلسطيني بالنظام المالي الإسرائيلي مجرد أداة مصرفية، بل أصبحت، وفق الرواية الإسرائيلية نفسها، جزءاً من معركة الاستيطان على الأرض.


البنوك الإسرائيلية تخشى ارتداد السلاح
لكن الضغط على البنوك الفلسطينية يحمل مفارقة أخرى فالبنوك الإسرائيلية نفسها ليست مستقلة عن النظام المالي العالمي.


فكما تعتمد البنوك الفلسطينية على هبوعليم وديسكونت للوصول إلى منظومة الشيكل، يعتمد البنكان الإسرائيليان بدورهما على بنوك مراسلة عالمية لتنفيذ التحويلات بالدولار واليورو.


وذكرت صحيفة "غلوبس" الاقتصادية الإسرائيلية أن البنكين يخشيان أن تؤدي المخاطر القانونية المرتبطة بعلاقاتهما مع البنوك الفلسطينية إلى دعاوى أو إلى تقييد علاقاتهما مع مؤسسات مالية دولية، وأشارت إلى بنوك بينها "سيتي غروب" و"دويتشه بنك".


وفي السيناريو الأشد، يمكن أن تتأثر قدرة البنوك الإسرائيلية نفسها على تنفيذ تحويلات دولية بالدولار واليورو.


ولا يعني ذلك أن عقوبات دولية اتخذت ضدها بالفعل، لكنه يعني أن السلاح المصرفي ليس بالضرورة طريقاً باتجاه واحد.


فالبنك الإسرائيلي الذي يخضع تعامل البنك الفلسطيني معه لتقييم المخاطر، يعتمد هو الآخر على بنك أجنبي مراسل يستطيع أن يعيد تقييم علاقته به وفق قواعد المخاطر والامتثال ذاتها.


ولهذا حذرت أوساط مالية إسرائيلية، وبينها بنك إسرائيل، من أن قطع العلاقات بصورة كاملة قد يلحق أضراراً بالاقتصادين، فيما قد يدفع النشاط التجاري الفلسطيني للبحث عن بدائل من الدولار والدينار والعملات الأخرى، بما يقلص قدرة إسرائيل نفسها على مراقبة حركة الأموال.


"الشاباك" يتدخل و"الكابينت" يشتري الوقت
وكانت البنوك الإسرائيلية قد هددت بإنهاء خدمات المراسلة؛ إذ اتجه ديسكونت إلى وقف الخدمة اعتباراً من أيلول/ سبتمبر، فيما كان هبوعليم يستعد لخطوة مماثلة في تشرين الأول/ أكتوبر.


وعندما أصبح الخطر قريباً من التنفيذ، وصل الملف إلى المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر "الكابينت".


وبحسب "يديعوت"، حذر "الشاباك" من أن وقف المقاصة والتحويلات يمكن أن يعمق الأزمة الاقتصادية ويرفع احتمالات انهيار السلطة، ويدفع جزءاً أكبر من الاقتصاد الفلسطيني نحو النقد والعملات الأجنبية وقنوات يصعب على الأجهزة الأمنية الإسرائيلية مراقبتها.


أي أن استخدام البنوك لخنق الاقتصاد الفلسطيني قد يؤدي، من وجهة نظر أمنية إسرائيلية، إلى خسارة إسرائيل جزءاً من القدرة على مراقبة النظام المالي الذي تسعى إلى السيطرة عليه.


وفي النهاية وافق الكابينت، بمن فيه سموتريتش، على تمديد الحماية القانونية حتى 31 كانون الأول/ ديسمبر 2026. وكان إيتمار بن غفير المعارض للقرار، وهاجم سموتريتش متهماً إياه بالتراجع مقابل إنجازات استيطانية. وهكذا جرى تأجيل المشكلة، لا حلها.


4.5 مليار شيكل.. تنفس للبنوك لا حل للمواطن
وهنا يجب الفصل بين مشكلتين يجري الخلط بينهما أحياناً هما فائض الشيكل النقدي داخل المصارف الفلسطينية، وقناة المراسلة المصرفية مع إسرائيل.


فالبنوك الفلسطينية تستقبل كميات من الشيكل النقدي أكبر مما تسمح إسرائيل بإعادته إلى نظامها المصرفي، ما أدى إلى تراكم مليارات الشواكل في خزائنها وفرض قيود على استقبال النقد من المواطنين والتجار.


وفي الثالث من آب/ أغسطس أعلنت سلطة النقد الفلسطينية الحصول على موافقة لتبكير ترحيل نحو 4.5 مليارات شيكل من الفائض المتراكم إلى بنك إسرائيل.
الخطوة خففت الضغط عن خزائن المصارف، لكنها لم تغير أصل المعادلة، لأنها قدمت موعد تحويل كمية من الشيكل ولم ترفع بصورة دائمة القدرة الفلسطينية على إخراج الفائض.


وهنا يظهر السؤال الذي يهم المواطن أكثر من ميزانية البنك فإذا أُفرغت مليارات الشواكل من خزائن المصارف، فلماذا بقي بعض المواطنين والتجار يواجهون قيوداً في إيداع الشيكل؟ فـ«معا» رصدت فعلياً توقف أو تقييد استقبال الشيكل في بعض أجهزة الإيداع التابعة لمصارف فلسطينية كبيرة.


من حق البنوك حماية ملاءتها وإدارة المخاطر التي تواجهها، لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح حماية ميزانيات المصارف أولوية منفصلة عن حماية دورة الاقتصاد الذي تعمل فيه.


فالبنك الذي يرفض استقبال أموال التاجر يحمي خزينته من فائض إضافي، لكنه ينقل المشكلة إلى التاجر نفسه. والتاجر لا يستطيع إغلاق خزينته أمام زبائنه.


هل تنقل البنوك أزمتها إلى الشارع؟
تتصرف المصارف، بطبيعتها، وفق حسابات المخاطر والسيولة والاستمرارية، لكن الأزمة الفلسطينية تطرح سؤالاً يتجاوز مصلحة كل بنك منفرد فمن يتحمل كلفة حماية الجهاز المصرفي؟


فإذا كان البنك يحد من استقبال الشيكل لحماية نفسه من فائض العملة، بينما يستمر المواطن والمتجر والمطعم والمزارع والصيدلية في تحصيل إيراداتهم بالشيكل، فإن الفائض لم يختفِ.


لقد انتقل فقط من خزينة البنك إلى خزينة التاجر وجيب المواطن. وهذا التحول أخطر اقتصادياً مما يبدو.


فالبنوك تستطيع إدارة مليارات الشواكل داخل نظام منظم، ولديها أدوات استثمار ورقابة وإدارة مخاطر وقدرة تفاوض مع سلطة النقد والحكومة والجانب الإسرائيلي.


أما صاحب المتجر أو المشروع الصغير فلا يملك شيئاً من ذلك. وإذا رفض البنك نقده، يصبح أمام خيارات محدودة: الاحتفاظ به، أو البحث عمن يقبله، أو تحويله إلى عملة أخرى وتحمل فرق السعر، أو إدخاله في دورة تداول خارج الجهاز المصرفي.


وبذلك تستطيع البنوك أن تخفف مشكلتها المحاسبية بينما تزداد مشكلة الاقتصاد الحقيقي.


"الديجيتال" مفيد.. لكنه ليس مخرجاً سحرياً
تعمل الحكومة وسلطة النقد والبنوك على توسيع الدفع الإلكتروني باعتباره إحدى وسائل خفض كمية النقد المتداول.

فإذا دفعت شركة فلسطينية إلكترونياً ثمن الوقود أو الكهرباء أو البضائع لمورد إسرائيلي، فإن الأموال لا تختفي في فضاء رقمي مستقل. في النهاية لا بد من بنك يقوم بتسوية هذه الأموال بين الجانبين.


ولهذا يمكن "للديجيتال" أن يقلل مشكلة الكاش، لكنه لا يستطيع وحده حل مشكلة اقتصاد يستخدم عملة إسرائيلية بينما تظل بوابة التسوية النهائية لهذه العملة تحت السيطرة الإسرائيلية.


التحول السريع قد يضغط على الحلقة الأضعف
الخطر الآخر هو أن يتحول الدفع الإلكتروني من أداة لحل الأزمة إلى وسيلة تنقل جانباً جديداً من كلفتها إلى المواطن والقطاع الخاص. فالتحول الرقمي التدريجي يمكن أن يفيد الاقتصاد ويقلل الكاش ويزيد كفاءة المدفوعات.


لكن التوسع السريع فيه، ولا سيما إذا أصبحت رسوم وخدمات أساسية مرتبطة بالدفع الإلكتروني قبل اكتمال جاهزية السوق، يحمل مخاطر في اقتصاد ما يزال جانب واسع منه قائماً على النقد.


فالمواطن أو التاجر الذي يحمل الشيكل ولا يستطيع إيداعه بسهولة، ثم يجد أنه مطالب بالدفع إلكترونياً، يمكن أن يلجأ إلى تخزين النقد أو تحويله إلى الدولار أو الدينار أو البحث عن قنوات أخرى لتصريفه.


وهكذا قد ينتج من طريق مختلف جزء من الخطر نفسه (اتساع التداول النقدي أو استخدام عملات أخرى خارج دورة الشيكل المصرفية المنظمة).


والأكثر تعرضاً لهذه المخاطر ليست الشركات الكبرى، وإنما المشاريع الصغيرة والمتناهية الصغر فالبقالة والمحل والحرفي والمزارع وسائق المركبة وصاحب الخدمة.


هذه الأعمال تعيش على دورة نقد يومية وهوامش ربح محدودة، وأي عمولة أو كلفة جهاز دفع أو تحويل مالي أو فرق عملة يمكن أن تصبح كلفة إضافية على قطاع يعاني أصلاً من ضعف السوق.


ومن هنا فإن المسؤولية لا تقع على إسرائيل وحدها، رغم أنها صنعت أصل الاختناق من خلال التحكم في ترحيل الشيكل وقناة المراسلة.


هناك أيضاً مسؤولية فلسطينية في كيفية توزيع كلفة الأزمة. فلا يكفي أن تحمي سلطة النقد استقرار البنوك، ولا أن تحمي المصارف خزائنها، إذا كانت النتيجة أن يبقى النقد المحاصر في يد المواطن والتاجر.


الحل يحتاج إلى إدارة انتقال تضمن قدرة المواطن على إيداع أمواله واستخدامها من دون خسارة غير مبررة، وتوزع كلفة الأزمة بين الأطراف بدلاً من ترك الحلقة الأضعف تتحملها.


فإذا نجحت الخطة في تفريغ خزائن البنوك بينما امتلأت خزائن المحال بالشيكل الذي لا تستطيع إيداعه، فإن الأزمة لم تُحل؛ لقد تغير عنوانها فقط.


سموتريتش يقاتل على بقائه أيضا
واللافت أن الوزير الذي يمسك اليوم بهذه الورقة يدخل الانتخابات الإسرائيلية وهو نفسه غير واثق من موقعه السياسي بعدها.


فأحدث استطلاع لـ"معاريف" أجري في 12 و13 آب/ أغسطس منح حزب "الصهيونية الدينية" بزعامة سموتريتش أربعة مقاعد فقط، أي عند الحد الأدنى تقريباً لدخول الكنيست.


وفي استطلاعات حديثة أخرى حصل الحزب على خمسة مقاعد، فيما وضعته استطلاعات سابقة أحياناً تحت نسبة الحسم إذا خاض الانتخابات منفرداً.


وهكذا يمتلك سموتريتش اليوم قدرة استثنائية على التأثير في واحد من أهم شرايين الاقتصاد الفلسطيني، بينما لا تضمن له استطلاعات الرأي حتى الاحتفاظ بهذا النفوذ بعد الانتخابات.


وهذا يجعل توقيت تمديد الحماية المصرفية أكثر إثارة. فالحماية تستمر حتى نهاية كانون الأول/ ديسمبر، بينما تجري الانتخابات الإسرائيلية في 27 تشرين الأول/ أكتوبر، ثم الانتخابات التشريعية الفلسطينية في 28 تشرين الثاني/ نوفمبر. أي أن ملفاً كان يمكن أن ينفجر في أيلول أو تشرين الأول أُبعد عملياً إلى ما بعد صندوقي الاقتراع.


وإذا خسر سموتريتش وزارة المالية أو خرج حزبه من الحكومة المقبلة، فسيصبح السؤال هل تستمر سياسة استخدام القناة المصرفية الفلسطينية للمساومة على الاستيطان، أم أنها كانت مرتبطة إلى حد كبير بالنفوذ الاستثنائي الذي امتلكه الرجل في الحكومة الحالية؟


شريان مفتوح مؤقتا
تكشف الأزمة في النهاية سلسلة من التناقضات.
إسرائيل تريد الضغط على السلطة وإضعافها، لكنها تخشى انهيارها.
تريد مراقبة حركة الأموال، لكنها تهدد القناة المصرفية التي تمنحها هذه القدرة.
وسموتريتش يستخدم استمرار الشريان المالي، وفق تقارير إسرائيلية، للحصول على مكاسب استيطانية، بينما يحذر الجيش من أن اجتماع عنف المستوطنين والتدهور الاقتصادي وضعف السلطة قد يدفع الضفة نحو الانفجار.


وفي الجانب الفلسطيني، نجحت سلطة النقد والبنوك في تخفيف جزء من ضغط الشيكل داخل خزائن المصارف، لكن ذلك لا يعني أن الأزمة انتهت بالنسبة للمواطن والتاجر.


فالحل الذي يحمي البنك ولا يحمي دورة الاقتصاد ليس حلاً كاملاً. ولهذا لم تُحل أزمة الشيكل. جرى شراء بعض الوقت، ونقل بعض النقد، وتأجيل خطر المقاصة حتى نهاية العام.


وبين انتخابات إسرائيل في 27 تشرين الأول/ أكتوبر وانتخابات فلسطين بعد 32 يوماً، سيبقى أحد أهم شرايين الاقتصاد الفلسطيني مفتوحاً بقرار إسرائيلي مؤقت.
ثم سيعود السؤال من جديد هل يبقى الشيكل مجرد عملة للتبادل بين اقتصادين، أم يتحول إلى أداة سياسية إسرائيلية لمقايضة المال بالأرض، فيما يتحمل المواطن الفلسطيني كلفة صراع لا يملك مفاتيحه؟




ومن الناحية الاقتصادية، الاتجاه مفهوم فكل عملية تتم إلكترونياً بدلاً من الأوراق النقدية تقلل الحاجة إلى نقل الشيكل وتخزينه. لكن الدفع الإلكتروني لا يلغي المشكلة الأساسية.

 

تصميم وتطوير: ماسترويب 2016
جميع الحقوق محفوظة