استثمارات المغتربين في مرمى الاستيطان: مدرسة بـ 5 ملايين دولار تتحول لثكنة لحماية نفسها برام الله
6/21/2026 8:01:00 AM
على أطراف قرية دير دبوان شرقي مدينة رام الله، كان من المخطط أن يرتفع صرح تعليمي حديث يجمع بين الطموح الاستثماري والرسالة الوطنية. المدرسة التي صممها المستثمر الفلسطيني الأمريكي عبد الجواد، كانت تهدف لخدمة الطلاب الفلسطينيين وأبناء الجالية العائدين من الولايات المتحدة، لتوفير بيئة تعليمية متكاملة تضم مرافق رياضية وملاعب متطورة.
لكن هذا الحلم التعليمي الذي كلف نحو 5 ملايين دولار، اصطدم بواقع مرير فرضته اعتداءات المستوطنين المتواصلة في المنطقة. فقد أقام مستوطنون خيمة استيطانية بالقرب من موقع البناء، وبدأوا بسلسلة من الهجمات التي شملت سرقة مواد البناء ومحتويات المدرسة، مما حول المشروع إلى ساحة مواجهة يومية.
أفادت مصادر بأن المستثمر عبد الجواد، الذي يقيم عادة في ولاية كاليفورنيا، اضطر لترك حياته هناك والعودة إلى الضفة الغربية لمتابعة مشروعه المهدد. وأكد عبد الجواد أن حجم الاعتداءات دفعه لتغيير المخططات الهندسية للمدرسة، حيث تحول التركيز من المساحات المفتوحة إلى بناء أسوار مرتفعة وتشديد الإجراءات الأمنية.
وأوضح المستثمر أن المدرسة التي كان من المفترض أن تكون منارة للعلم، باتت اليوم بحاجة إلى حراسة مشددة على مدار الساعة وسياج أمني يحيط بها. وأشار إلى أن هجمات المستوطنين لم تكتفِ بالسرقة، بل أدت أيضاً إلى تهجير بعض السكان الذين كانوا يقطنون في المنطقة المحيطة بالمشروع التعليمي.
تتفاقم الأزمة مع خسارة المستثمر للقدرة على الوصول إلى كامل أرضه التي تبلغ مساحتها 16 دونماً، حيث تمنعه القيود والاعتداءات من استغلال أكثر من 10 دونمات فقط. هذا الواقع جعل صاحب المشروع يشعر بأن مدرسته قد تتحول إلى ما يشبه السجن بسبب إجراءات الحماية القسرية التي فرضها الواقع الاستيطاني.
المشروع الذي كان من المفترض أن يضم ملاعب ومسابح، بات بحاجة إلى سياج وحراس ليل نهار لحمايته من هجمات المستوطنين.
لا تعد قضية مدرسة دير دبوان حدثاً معزولاً، بل هي جزء من نمط متصاعد يستهدف ممتلكات الفلسطينيين المغتربين في مناطق شمال رام الله. ويؤكد حقوقيون أن المستوطنين يستغلون غياب أصحاب الأراضي في الخارج لتنفيذ عمليات استيلاء ممنهجة وتغيير الوقائع على الأرض تحت حماية قوات الاحتلال.
وفي هذا السياق، كشف المحامي ياسر علقم من بلدة ترمسعيا عن متابعته لمئات الملفات القانونية المتعلقة بالاستيلاء على أراضٍ تعود لمواطنين فلسطينيين يحملون الجنسية الأمريكية. وأوضح علقم أن هذه القضايا تعكس حجم الاستهداف الواسع الذي يتعرض له المغتربون الذين قرروا الاستثمار في وطنهم الأم.
ورغم تقديم عشرات الشكاوى الرسمية إلى السفارة الأمريكية ووزارة الخارجية في واشنطن، إلا أن النتائج لا تزال غائبة على أرض الواقع. ويشير قانونيون إلى أن غياب الاستجابة الدولية الفاعلة يشجع المستوطنين على الاستمرار في اعتداءاتهم ضد ممتلكات المواطنين الذين يحملون جنسيات أجنبية.
هذه الضغوط دفعت بعض المغتربين لاتخاذ قرارات مصيرية بالعودة النهائية لحماية عائلاتهم وممتلكاتهم، كما هو حال المواطن زاهر الذي عاد من ولاية جورجيا. زاهر الذي كان يعيش حياة مستقرة في الولايات المتحدة، قرر البقاء في بلدة ترمسعيا ليكون قريباً من ابنته وأحفاده بعد اقتراب خطر المستوطنين من منزلهم.
ترسم هذه القصص في قرى وبلدات رام الله صورة لمعركة صمود يخوضها الفلسطينيون المغتربون للحفاظ على وجودهم وارتباطهم بالأرض. فبين مشاريع تعليمية متعثرة وأراضٍ مصادرة، يبقى التحدي الأكبر هو كيفية حماية الملكية الخاصة في ظل تصاعد السياسات الاستيطانية التي لا تستثني أحداً.