
يدخل العراق مرحلة جديدة مع اكتمال انسحاب القوات الأميركية وقوات التحالف الدولي من آخر مواقعها العسكرية، في خطوة تنهي الوجود العسكري الأميركي المباشر الذي بدأ مع غزو العراق عام 2003.
ويأتي الانسحاب تنفيذًا للاتفاق المبرم بين بغداد وواشنطن عام 2024، بعدما كانت القوات الأميركية قد انسحبت من العراق عام 2011، قبل أن تعود في 2014 بطلب من الحكومة العراقية لمواجهة تنظيم "داعش" بعد سيطرته على مساحات واسعة من شمال وغرب البلاد.
وتقول بغداد إن انتهاء الوجود العسكري الأميركي يمثل بداية مرحلة يتولى فيها العراق مسؤولية قراره الأمني والعسكري بصورة أكبر، فيما تنتقل العلاقة مع واشنطن إلى التعاون في مجالات التدريب والتسليح وتبادل المعلومات.
لكن مغادرة القوات الأميركية لا تنهي التحديات الأمنية في العراق، بل تفتح ملفًا أكثر حساسية يتعلق بالجهة التي تملك قرار استخدام القوة والسلاح داخل البلاد.
تسعى الحكومة العراقية إلى ترسيخ مبدأ حصر السلاح بيد مؤسسات الدولة، في وقت لا تزال فيه فصائل مسلحة مرتبطة بمحاور إقليمية تحتفظ بترساناتها ونفوذها.
وكانت بغداد قد ربطت مرحلة ما بعد الانسحاب بتنظيم سلاح الفصائل، سواء عبر الدمج في المؤسسات الرسمية أو إجراءات أخرى، إلا أن تنفيذ هذا المسار لا يزال يواجه خلافات سياسية وأمنية بشأن آلياته وتوقيته.
وبحسب تحليلات عراقية ودولية، يمثل ملف الفصائل أحد أبرز الاختبارات أمام الحكومة في المرحلة المقبلة، خصوصًا بعدما زال الوجود العسكري الأميركي الذي شكل أحد المبررات الرئيسية التي استندت إليها بعض الفصائل في تبرير استمرار تسليحها.
في المقابل، تقدم فصائل عراقية الانسحاب الأميركي باعتباره نتيجة للضغط الذي مارسته خلال السنوات الماضية، وتعتبره خطوة باتجاه تعزيز السيادة العراقية.
وكانت قاعدة حرير قرب أربيل من آخر المواقع العسكرية الأميركية التي شهدت انسحاب القوات، بعد سنوات من استخدامها في العمليات المرتبطة بالعراق وسوريا.
كما غادرت القوات الأميركية قاعدة فيكتوري قرب مطار بغداد الدولي، التي ارتبطت لسنوات بالوجود العسكري والاستخباري الأميركي في العاصمة.
وجرى الانسحاب بصورة تدريجية، مع نقل القوات المتبقية إلى الأردن ومواقع أخرى في المنطقة، بدلًا من إبقائها داخل الأراضي العراقية.
وبذلك، ينتهي الوجود العسكري الأميركي المباشر في العراق، لكن العلاقة الأمنية بين البلدين لا تنتهي، إذ تستمر واشنطن في التعاون مع بغداد في التدريب والتسليح وتبادل المعلومات.
يثير الانسحاب الأميركي مخاوف لدى إقليم كردستان، الذي استفاد خلال السنوات الماضية من الدعم العسكري الأميركي، خصوصًا في مواجهة تهديدات تنظيم "داعش" والهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة.
وفي المقابل، تؤكد بغداد أن قواتها أصبحت قادرة على تولي المسؤولية الأمنية والعسكرية، وأن العراق لا يدخل مرحلة فراغ أمني مع مغادرة القوات الأجنبية.
ويختلف الوضع الحالي عن عام 2014، عندما أدى توسع تنظيم "داعش" إلى عودة القوات الأميركية إلى العراق. فالتنظيم لم يعد يسيطر على مساحات واسعة، وإن كانت خلاياه لا تزال تنشط، فيما تبرز في المرحلة الحالية تحديات أخرى تتعلق بالفصائل المسلحة والتوترات الإقليمية وقدرات الدفاع العراقية.
مع خروج القوات الأميركية، ينتقل العراق إلى اختبار جديد: هل تستطيع الدولة توحيد القرار الأمني والعسكري وإنهاء تعدد مراكز القوة المسلحة؟
فالحكومة تواجه من جهة تحدي تنظيم سلاح الفصائل، ومن جهة أخرى الحفاظ على التوازنات السياسية والأمنية الداخلية، في ظل موقع العراق الحساس بين الولايات المتحدة وإيران والتوترات المتصاعدة في المنطقة.
وبالتالي، فإن انسحاب القوات الأميركية لا يمثل نهاية النفوذ الأميركي في العراق، ولا يعني بالضرورة انتهاء التحديات الأمنية، بل يضع بغداد أمام مرحلة جديدة سيكون عنوانها الأبرز من يملك القرار العسكري والسلاح داخل الدولة؟
أخبار دولية
|
تصميم وتطوير: ماسترويب 2016 |