8/17/2026 8:01:00 AM
لا يزال الاحتلال يتعامل مع وقف إطلاق النار في لبنان بشكل «هلامي»، إذ يتحدث في بياناته عن خروقات المقاومة للاتفاق، في وقت يواصل جيشه تفجير البيوت وحرقها واقتلاع الأشجار وتغيير معالم القرى، ويحاول فرض حرية حركة لقواته في مناطق الجنوب، قبل أن يلجأ إلى القوة النارية الواسعة عند مواجهتها.
وتكشف أحداث تلال علي الطاهر، فجر السبت 15 آب/أغسطس، عن هذا المسار بوضوح، إذ بدأت بمحاولة قوة إسرائيلية التوغل نحو مناطق غير محتلة، قبل أن تتعرض لهجوم بطائرة مسيّرة استهدف قوة هندسية كانت تعمل على مسح المنطقة ومحاولة العثور على ثغرات في ما تسميه إسرائيل «أنفاق علي الطاهر»، لتتحول المنطقة لاحقا إلى هدف لقصف جوي ومدفعي مكثف، امتد إلى بلدات أخرى في قضاء النبطية، وأوقع 11 شهيدا على الأقل.
وبحسب ما نشرته صحيفة الاخبار اللبنانية فان الرواية التي يمكن تثبيتها من تقاطع المصادر اللبنانية والإسرائيلية، انفجرت قرابة الساعة الثانية والنصف فجرا طائرة مسيّرة مفخخة قرب قوة تابعة لوحدة الهندسة الخاصة الإسرائيلية «يهلوم»، ما أدى إلى إصابة ضابط وجنديين بجروح خطيرة. وسارع جيش الاحتلال الإسرائيلي إلى إعلان أن حزب الله يقف خلف الهجوم.
ولا تختصر أهمية الحادثة بعدد الإصابات، إذ إن القوة المستهدفة ليست دورية عسكرية عادية، وإنما وحدة هندسية متخصصة في التعامل مع الأنفاق والتحصينات والمنشآت تحت الأرض. ويرجح ذلك أن الجنود كانوا ينفذون نشاطا مرتبطا بالعمليات الإسرائيلية الجارية في تلال علي الطاهر، سواء لتأمين المواقع أو الاقتراب من منشآت تحت الأرض أو تفكيكها، بحسب زعم جيش الاحتلال.
وبعد نحو نصف ساعة من الهجوم، حوّل الاحتلال المرتفعات إلى ساحة للقصف الجوي والمدفعي الكثيف، قبل أن يوسع هجماته إلى مناطق أخرى في قضاء النبطية، ولا سيما أنصار ودير الزهراني.
وفي بلدة أنصار، استهدفت غارة منزل ضيافة كانت تقيم فيه عائلة الحاج حسن، ما أدى إلى استشهاد جميع أفرادها، الأم والأب والأولاد الأربعة، فيما استهدفت غارة أخرى دير الزهراني، حيث استشهد شابان، أحدهما كان يمر بالقرب من المبنى المستهدف.
وأفادت وزارة الصحة اللبنانية بأن الغارات الإسرائيلية على أنصار ودير الزهراني ومناطق أخرى أوقعت 11 شهيدا على الأقل، بينهم نساء وأطفال، في تصعيد لم يبق محصورا في محيط تلال علي الطاهر.
ولا تسمح المعلومات المتوافرة حتى الآن بالجزم بأن ما جرى كان «محاولة اقتحام واسعة» للتلال أُحبطت، رغم أن صورا من زوطر الشرقية أظهرت تعزيز الاحتلال قواته بعدد من الدبابات وناقلات الجند والآليات الهندسية.
في المقابل، تشير رواية الإعلام العبري إلى أن قوة إسرائيلية كانت موجودة أصلا في المنطقة وتنفذ عملا ميدانيا، قبل تعرضها لهجوم دقيق بطائرة مسيّرة أدى إلى إصابات خطيرة، وأجبر جيش الاحتلال على التعامل بصورة عاجلة مع الوضع.
وعقب الحادثة، قرابة الثالثة فجرا، شن الاحتلال غارات مكثفة على تلال علي الطاهر ومحيطها. ويرجح أن جزءا من النيران الأولى ارتبط بتأمين القوة المصابة ومنع استهدافها مجددا وتغطية إخلاء الجرحى، قبل أن يتحول القصف إلى عدوان أوسع.
لكن رد الاحتلال لم يبق محصورا في التلال، بل امتد إلى مناطق أخرى في النبطية، حيث استهدفت الغارات أنصار ودير الزهراني ومواقع أخرى، وأوقعت الشهداء المدنيين.
وربط الاحتلال بصورة مباشرة بين الغارات وما جرى في علي الطاهر، وقال إنها استهدفت بنى وقيادات لحزب الله ردا على الهجوم الذي تعرضت له قواته. في المقابل، أظهرت الصور الواردة من المناطق المستهدفة أضرارا في مبان ومنازل مدنية، بينها منزل الضيافة في أنصار والمبنى المحاذي للطريق العام في دير الزهراني.
ويعكس اتساع نطاق القصف أن تل أبيب تعاملت مع الحادثة باعتبارها أكثر من مجرد مواجهة موضعية، إذ انتقلت من استهداف محيط القوة الإسرائيلية التي تعرضت للهجوم إلى ضرب مناطق أخرى في النبطية، بما يبعث برسالة مفادها أن التصدي لتحركات قوات الاحتلال قد يقابله تصعيد واسع على المناطق المدنية.
وتبقى إحدى أهم حلقات الرواية غير واضحة حتى الآن: من أين أطلقت المسيّرة، وكيف تمكنت من تحديد موقع القوة الإسرائيلية بهذه الدقة؟ ولا توجد إجابة مؤكدة عن ذلك، لكن نجاح الطائرة في الوصول إلى مجموعة من وحدة «يهلوم» يشير إلى قدرة المقاومة على رصد حركة القوات الإسرائيلية ومتابعة نشاطها في محيط التلال.
وبناء على ذلك، فإن الوصف الأدق لما جرى لا يتمثل في أن جيش الاحتلال شن هجوما واسعا لاحتلال علي الطاهر ثم انسحب، وإنما في أن قوة إسرائيلية كانت تعمل في المنطقة تعرضت لضربة مباشرة أوقعت إصابات خطيرة، ما أدى إلى تعطيل نشاطها مؤقتا واستدعى غطاء ناريا كثيفا، قبل أن توسع إسرائيل ردها إلى مناطق أخرى في النبطية.
وتكمن أهمية الضربة في أنها طاولت تحديدا القوة الهندسية التي تتولى التعامل مع الأنفاق والتحصينات والمنشآت الواقعة تحت الأرض، وهي إحدى الأدوات الأساسية التي يعتمد عليها الاحتلال في محاولاته تثبيت السيطرة الميدانية على المنطقة.
أما الحديث عن حسم عسكري أو انسحاب إسرائيلي كامل أو إحباط «اقتحام شامل» لتلال علي الطاهر، فلا تزال المعلومات المتوافرة غير كافية لتثبيته. إلا أن تسلسل الأحداث يكشف بوضوح أن وقف إطلاق النار في جنوب لبنان لا يزال شديد الهشاشة، وأن الاحتلال يواصل توسيع هامش تحركاته العسكرية، فيما يتحول أي تصد لهذه التحركات إلى تصعيد إسرائيلي واسع يدفع المدنيون ثمنه.
الاخبار اللبنانية