رسالة مفتوحة إلى دولة رئيس الوزراء ومجلس الوزراء
8/18/2026 9:16:00 PM

مبادرة حكومية ودبلوماسية وميدانية لحماية الضفة الغربية ووقف التهجير والضم الزاحف

دولة رئيس الوزراء الدكتور محمد مصطفى المحترم،

السادة أعضاء مجلس الوزراء المحترمين،

تحية وطنية وبعد،

في ظل التصعيد المتواصل في الضفة الغربية المحتلة، وما تشهده قرى وبلدات فلسطينية من حصار للمنازل، وإخطارات هدم، ومصادرة للأراضي، واعتداءات متصاعدة من المستوطنين، فإن المسؤولية الوطنية تقتضي الانتقال من ردود الفعل والبيانات إلى مبادرة سياسية وميدانية ودبلوماسية متكاملة تضع هذه الممارسات أمام المجتمع الدولي في مكان وقوعها، وتحوّل الانتهاكات اليومية إلى ملف سياسي وقانوني وإعلامي لا يمكن تجاهله.

وتأتي هذه الدعوة في توقيت بالغ الحساسية، في ضوء ما يجري في بلدة قصرة بمحافظة نابلس من حصار لمنازل فلسطينية من قبل مستوطنين، وما رافق ذلك من قطع للمياه والكهرباء ومحاولات فرض أمر واقع على الأرض، إلى جانب إخطارات الهدم في كفر صور بمحافظة طولكرم، فضلاً عما تتعرض له مناطق الأغوار وقلنديا والمناطق المحيطة بالقدس ومناطق أخرى في الضفة الغربية من إجراءات تهدف إلى التضييق على السكان ودفعهم إلى الرحيل.

وقد وثقت تقارير حديثة التطورات الخطيرة في قصرة، بما في ذلك مواجهة بين الجيش الإسرائيلي والمستوطنين، ودخول قوات إسرائيلية إلى منازل حاصرها مستوطنون. كما أثارت هذه الأحداث انتقادات واسعة بشأن قدرة السلطات الإسرائيلية أو إرادتها في حماية الفلسطينيين من اعتداءات المستوطنين.

إن خطورة هذه الوقائع لا تكمن في كل حادثة منفردة، وإنما في تراكمها وتحولها إلى نمط متصل من السيطرة على الأرض وفرض الوقائع وتفريغ التجمعات الفلسطينية من سكانها، بما يستوجب تحركاً فلسطينياً منظماً يتجاوز الإدانة إلى الفعل السياسي والقانوني والدبلوماسي.

مبادرة لعقد جلسات حكومية ميدانية

وعليه، أقترح على دولة رئيس الوزراء ومجلس الوزراء تبني مبادرة سياسية تتمثل في عقد جلسات حكومية ميدانية في المناطق الفلسطينية المستهدفة، والبدء بقصرة في محافظة نابلس وكفر صور في محافظة طولكرم، على أن تمتد المبادرة لاحقاً إلى الأغوار وقلنديا والمناطق المحيطة بالقدس وغيرها من التجمعات المهددة بالهدم أو التهجير أو الاستيطان.

إن عقد جلسة لمجلس الوزراء في موقع الحدث يحمل رسالة سياسية واضحة: أن الحكومة موجودة إلى جانب المواطنين في الميدان، وأن حماية الإنسان والأرض ليست مسؤولية الأهالي وحدهم، وإنما مسؤولية وطنية ومؤسسية.

ولا ينبغي أن تكون هذه الزيارات بروتوكولية، بل ينبغي أن تنتهي إلى قرارات عملية، وخطط حماية وصمود، وملفات قانونية ودبلوماسية وإعلامية قابلة للمتابعة.

دعوة السلك الدبلوماسي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي

كما أقترح توجيه دعوات رسمية إلى ممثلي الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وسفراء وقناصل الدول المعتمدين لدى دولة فلسطين للمشاركة في هذه الجلسات والزيارات الميدانية.

فالمطلوب أن يشاهد الدبلوماسيون بأعينهم ما يحدث على الأرض، وأن يستمعوا مباشرة إلى الأسر المحاصرة، وأصحاب المنازل والمنشآت المهددة بالهدم، والمزارعين الذين تتعرض أراضيهم للمصادرة، وسكان المناطق التي تتعرض لاعتداءات المستوطنين.

إن الدبلوماسية الفلسطينية تستطيع، من خلال هذه المبادرة، أن تنقل الملف من مستوى الاحتجاج السياسي إلى المساءلة الدولية المباشرة، وأن تطلب من الدول المشاركة اتخاذ مواقف وإجراءات تتناسب مع التزاماتها بموجب القانون الدولي.

الإعلام الدولي شريك في كشف الحقيقة

ومن الأهمية بمكان أن ترافق هذه الجولات وسائل الإعلام المحلية والعربية والدولية، وأن يتم تسهيل وصول الصحفيين إلى المناطق المتضررة، بما يسمح بنقل الصورة الحقيقية لما يجري على الأرض.

فالمعركة ليست قانونية ودبلوماسية فقط، وإنما هي أيضاً معركة على الحقيقة والرأي العام العالمي. والصورة التي تنقل من منزل محاصر أو قرية مهددة بالهدم أكثر قدرة على تحريك الرأي العام من عشرات البيانات السياسية.

القانون الدولي يوفر أساساً قوياً للتحرك

ولا بد أن تستند هذه المبادرة إلى مرجعية قانونية واضحة.

فقرار مجلس الأمن 2334 أكد عدم شرعية المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، ودعا إلى وقف جميع الأنشطة الاستيطانية.

كما أن الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر في 19 تموز/يوليو 2024 قدم أساساً قانونياً بالغ الأهمية؛ إذ خلصت المحكمة إلى أن سياسات وممارسات إسرائيل في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك الاستيطان وضم أجزاء من الأرض والإجراءات المرتبطة بها، تعرقل حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، كما تناولت المحكمة التهجير القسري والعنف ضد الفلسطينيين وعدم منع أو معاقبة اعتداءات المستوطنين.

ومن هنا، فإن أي تحرك حكومي ينبغي ألا يكتفي بتوثيق الوقائع، بل يجب أن يحولها إلى ملفات قانونية متكاملة ترفع إلى الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان والجهات القضائية الدولية والهيئات الدولية المختصة.

الاستفادة من الأصوات الإسرائيلية الرافضة للانتهاكات

وفي هذا السياق، من المهم التأكيد أن التحرك الفلسطيني لا ينبغي أن يتجاهل الأصوات الإسرائيلية التي تعارض الاستيطان واعتداءات المستوطنين وسياسات التهجير والهدم، ولا المؤسسات الإسرائيلية التي تعمل في مجال حقوق الإنسان وتوثيق الانتهاكات.

فهناك منظمات وناشطون ومحامون إسرائيليون يرفضون تحويل الاحتلال والاستيطان إلى أمر واقع دائم، ومن أبرز المؤسسات الحقوقية الإسرائيلية بتسيلم (B’Tselem)، إلى جانب منظمات أخرى مثل السلام الآن (Peace Now) ومؤسسات ومحامين إسرائيليين يعملون في الدفاع عن حقوق الفلسطينيين ومناهضة الاستيطان.

وقد واصلت مؤسسات إسرائيلية حقوقية توثيق الاعتداءات وسياسات الاستيطان والتهجير، كما أن بعض هذه المنظمات وصفت ما يجري بأنه جزء من نمط أوسع من السيطرة والإقصاء. وتظهر أهمية هذه الأصوات في أنها تؤكد أن الاعتراض على هذه السياسات ليس موقفاً فلسطينياً فقط، وإنما توجد داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه جهات مدنية وحقوقية وقانونية ترفض انتهاك حقوق الفلسطينيين.

ومن هنا، أقترح أن تشمل المبادرة الحكومية دعوة ممثلي هذه المنظمات والشخصيات الحقوقية الإسرائيلية المستقلة للمشاركة في الجولات الميدانية والمؤتمرات الصحفية والندوات القانونية، بما يعزز مصداقية الرسالة الفلسطينية ويتيح لهذه الأصوات أن تخاطب مجتمعها والرأي العام الإسرائيلي والدولي من قلب المناطق المتضررة.

نحو غرفة عمليات وطنية للتوثيق والمساءلة

إن نجاح هذه المبادرة يتطلب إنشاء آلية وطنية دائمة للتوثيق والمتابعة والمساءلة، تضم الحكومة والمؤسسات القانونية والحقوقية والجهات المحلية، بحيث يتم توثيق كل حالة هدم أو إخلاء أو اعتداء أو مصادرة أو اعتداء من المستوطنين، مع تحديد المكان والزمان والجهة المسؤولة والضحايا والأضرار والوثائق والصور والشهادات.

وتتحول هذه البيانات إلى ملفات قانونية ودبلوماسية دورية، يجري توزيعها على السفارات والبعثات الدبلوماسية والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والمؤسسات الحقوقية والإعلام الدولي.

الهدف: الانتقال من الإدانة إلى الضغط

دولة الرئيس،

إن المطلوب اليوم هو إعادة تعريف أدوات المواجهة السياسية. فالاحتلال يستفيد من تشتت ردود الفعل ومن التعامل مع كل عملية هدم أو اعتداء أو مصادرة باعتبارها حادثة منفصلة.

أما الاستراتيجية الفلسطينية فيجب أن تقوم على الربط بين هذه الوقائع وإظهار أنها تشكل، في تراكمها، مساراً يهدد الأرض والسكان ويقوض إمكانية إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة.

ولهذا فإن وجود الحكومة في قصرة وكفر صور والأغوار وقلنديا ومحيط القدس، بمشاركة الدبلوماسيين الدوليين والإعلام والمنظمات الحقوقية الفلسطينية والإسرائيلية والدولية، يمكن أن يشكل أداة ضغط سياسي وقانوني وإعلامي حقيقية.

إن الهدف ليس مجرد فضح الاحتلال، وإنما تحميل حكومة الاحتلال المسؤولية السياسية والقانونية عن سياساتها، وإلزام الدول والمؤسسات الدولية باتخاذ مواقف وإجراءات عملية، ووقف أعمال الهدم والتهجير ومصادرة الأراضي والاستيطان واعتداءات المستوطنين.

كما أن هذه المبادرة ستوجه رسالة واضحة إلى أبناء شعبنا بأن الحكومة لن تترك المناطق المستهدفة تواجه مصيرها منفردة، وأن حماية الصمود الفلسطيني في الأرض جزء أصيل من المشروع الوطني.

دولة الرئيس،

لقد آن الأوان لأن ننتقل من سياسة انتظار ردود الفعل الدولية إلى صناعة الحدث السياسي والدبلوماسي على الأرض.

إن عقد جلسة حكومية في قصرة، وأخرى في كفر صور، ثم الانتقال إلى الأغوار وقلنديا ومحيط القدس، بحضور السفراء والدبلوماسيين والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والإعلام والمؤسسات الحقوقية، يمكن أن يشكل بداية لمسار فلسطيني جديد عنوانه:

الحكومة في الميدان، والدبلوماسية في الميدان، والإعلام في الميدان، والقانون في مواجهة الاحتلال.

إن الضفة الغربية تواجه اليوم اختباراً حقيقياً يتعلق ببقاء الأرض والسكان والهوية الوطنية، ولا يجوز أن تبقى سياسة التهجير والضم الزاحف تتقدم فيما يقتصر الرد على البيانات.

وعليه، أدعو دولة رئيس الوزراء ومجلس الوزراء إلى تبني هذه المبادرة، ووضع جدول زمني عاجل لتنفيذها، وتشكيل لجنة وزارية دائمة لمتابعتها، وإشراك السلك الدبلوماسي والمؤسسات الدولية والإعلامية والحقوقية فيها، لتتحول من فكرة إلى استراتيجية وطنية للمواجهة السياسية والقانونية والدبلوماسية والإعلامية.

فحماية الأرض تبدأ بحماية أهلها، وحماية أهلها تبدأ بكسر الحصار السياسي والإعلامي المفروض على قضيتهم، ووضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته وهو يرى بأم عينيه ما يجري على الأرض الفلسطينية المحتلة.

المحامي علي أبو حبلة 


تصميم وتطوير: ماسترويب 2016
جميع الحقوق محفوظة