3/29/2026 1:39:00 PM
سلفيت- تلفزيون نابلس-عهود الخفش- لم يعرف السبعيني فريد مقبل مكاناً ينتمي إليه كما عرف عزبتَه في وادي قانا غرب سلفيت. هناك وُلد، وهناك خطا خطواته الأولى، وكبر صبياً يرعى الأغنام خلف والده، قبل أن يصبح هو الراعي وربّ الأسرة.
في هذه البقعة الصغيرة من الأرض عاش فريد وعائلته تفاصيل حياتهم كلها؛ طفولته، شبابه، كهولته، وحتى شيخوخته التي ظنّ أنها ستمضي بهدوء بين أشجار الزيتون وصوت أجراس الأغنام. لكن هذا المشهد تبدّل قسراً مع تصاعد اعتداءات المستوطنين في المنطقة.
في تجمع عزبة العيون بوادي قانا تعيش 11 عائلة، من ال مقبل وعرب الخولي، بواقع نحو 90 فرداً، يعتمدون بشكل أساسي على تربية المواشي والزراعة كمصدر للعيش. غير أن حياتهم خلال الفترة الأخيرة تحولت إلى حالة من الخوف الدائم، مع تصاعد ممارسات المستوطنين واعتداءاتهم المتكررة.
ويقول سكان التجمع إن المستوطنين باتوا يقتحمون التجمع بشكل متكرر، ويلاحقون الرعاة في المراعي، ويمنعونهم من الوصول إلى أراضيهم ومصادر المياه، إضافة إلى الاعتداءات اللفظية والجسدية، وإطلاق تهديدات مباشرة تطالبهم بمغادرة المكان.
لم تعد ليالي العزبة للنوم، بل للترقب والحذر. فالمستوطنون المسلحون يقتحمون المكان أحياناً في ساعات الليل، يوقظون السكان من نومهم، ويزرعون الرعب في قلوب الأطفال وكبار السن، في محاولة لفرض واقع يدفع العائلات إلى الرحيل.
وأمام هذا الواقع القاسي، وجدت العائلات نفسها مضطرة إلى مغادرة المكان الذي عاشت فيه سنوات طويلة، بالنسبة لفريد، لم يكن الأمر مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل اقتلاعاً من أرض شهدت حياته كاملة.
يقول فريد بصوتٍ يختلط فيه الألم بالذهول:“هون انولدت وهون عشت عمري كله. ما تخيلت يوم أطلع منها هيك”.
غادر فريد مع عائلته وأغنامه، تاركين خلفهم بيوتاً بسيطة وأشجاراً زرعوها بأيديهم، وذكريات امتدت لعقود في تلك الأرض.
بدوره شدد الناشط ضد الاستيطان نظمي سلمان على أن ما يحدث في وادي قانا لم يعد مجرد اعتداءات متفرقة، بل سياسة منظمة تهدف إلى تفريغ المناطق الرعوية من سكانها الأصليين عبر خلق بيئة طاردة للحياة.
مؤكدا أن استهداف تجمع عزبة العيون يأتي في سياق تصعيد متسارع يطال الأغوار ومناطق غرب سلفيت، من خلال الاعتداءات اليومية، وتقييد الحركة، والسيطرة على مصادر المياه، وصولاً إلى فرض واقع قسري يدفع الأهالي إلى الرحيل. مضيفا أن صمت المجتمع الدولي يشجع على استمرار هذه الانتهاكات، داعياً إلى تحرك عاجل لحماية ما تبقى من التجمعات البدوية والرعوية المهددة بالاقتلاع.
ومع رحيل هذه العائلات، يفقد وادي قانا أحد تجمعاته الرعوية الصغيرة، في مشهد يلخص كيف يمكن لإرهاب المستوطنين أن يقتلع مجتمعاً كاملاً من أرض عاش فيها جيلاً بعد جيل.