شقيقة أبو عبيدة تكشف: هذا ما لم يره العالم في أخي.. الإنسان قبل الرمز
1/5/2026 6:50:00 AM
لم يكن صوته مجرد بيان عسكري، ولا كانت كوفيته تفصل بين الإنسان والرمز كما اعتقد كثيرون، أبو عبيدة، الذي عرفه العالم ناطقا باسم كتائب القسام، ظل في بيت صغير أخا ينادى باسمه، وأبا يضحك قبل أن يختفي، وزوجا يحمل عن شريكته أثقال الأيام كما يحمل هم وطنه، بين ما يقال على المنصات وما يعاش في الغرف المغلقة، تتشكل حكاية أخرى لا تسمع عادة.
أجرى حوارا هاتفيا مع شقيقة أبي عبيدة كفرصة نادرة للتعرف إلى شخصيته، من خلال كلمات شقيقته سندس الكحلوت، التي تروي تفاصيل حياة أخ لم يعرف العالم معظمها؛ لحظات الضحك في البيت، والحنان المخفي في أصغر التفاصيل، والمسؤولية التي حملها عن عائلته كما حمل هم وطنه، تفتح لنا بابا نادرا على تفاصيل لم تكن يوما في البيانات، ولا في الخطابات، بل في الحياة اليومية التي عاشها سرا، ودفع ثمنها علنا.
عندما يسمع العالم صوت أبي عبيدة، لا تسمع شقيقته أكثر من أخيها، تقول سندس إن الصوت ذاته الذي يصل إلى الملايين، يصل إليها بالطريقة نفسها؛ لا تميزه القرابة ولا تكسره الرمزية، لا تحاول أن تفصل بين "أخي" و"الناطق باسم القسام"، لأن الصوت واحد، لكن الإنسان خلفه مختلف تماما عما يظنه الناس.
توضح أن أبا عبيدة لم يكن يعيش الشخصية التي يراها العالم خلف الكوفية والبيان العسكري؛ كان إنسانا هادئا، عاديا، أبا في بيته، أخا بين إخوته، زوجا رحيما وحنونا. كانت تراه على شاشة التلفاز كما يراه الجميع، بلا امتيازات خاصة، وبلا معرفة بما سيقوله قبل أن يقوله، بعيدا عن الصورة الصلبة، تصفه بأنه شديد الحلم والحكمة، لا يعرف الانفعال إلا حين يكون الغضب واجبا، وحين يتطلب الموقف صرامة، تؤكد أنه في حياته اليومية كان هادئا إلى حد قد يفوق التوقع، إنسانا يزن كلماته ويتعامل بعقل لا يسبق انفعاله.
وحتى في أبسط لحظات حياته، كان أبو عبيدة يجد متعة في التفاصيل الصغيرة، كان مشروبه المفضل القهوة، التي لا يفارقها، أما مأكولاته، فكان يحرص على أن يتذوق المفتول وورق العنب، أطعمة تحمل معه طعم البيت والذكريات، وتعيده إلى حياته العادية بعيدا عن الصور العامة والخطابات الرسمية.
تقول إن شخصيته بعيدا عن السلاح كانت مليئة بالحنان، كان حاضرا في تفاصيل البيت، مساعدا لأهله، حريصا على ألا تشعر زوجته بأنها حبيسة الجدران أو منقطعة عن الحياة، كان يخرج بها وبأبنائه، ويصر على أن تبقى منخرطة في تطوير نفسها، خاصة في مجالها الإعلامي والصحفي، مشجعا إياها على التعلم واكتساب كل ما ترغب فيه، رغم طبيعة حياته غير الطبيعية.
تعترف أن ظروف عمله فرضت عليه قيودا في الزيارات والتواصل الاجتماعي، لكنه حين تتاح له الفرصة كان يزور أهله، يشاركهم أفراحهم وأحزانهم، ويعود إليهم كواحد منهم، بلا استثناء، حضوره، حتى وإن كان خاطفا، كان جميلا ومؤثرا، وحديثه يترك أثرا لا يزول.
اقرأ أيضا: نجل "أبو عبيدة" ينعى والده حذيفة الكحلوت الناطق العسكري باسم كتائب القسام
وعندما تختصر شخصيته بكلمة واحدة، تختار: إنسان مسؤول، مسؤول في بيته، مع زوجته وأبنائه، مسؤول إلى حد التفاصيل الصغيرة، تذكر كيف كان يشارك في كل شؤون المنزل، يضع بصمته في كل عمل، حتى في أصعب اللحظات، تستعيد مشهدا لا تنساه: حين كانت زوجته في فترة النفاس ومتعبة، وقف يطبخ لها بنفسه، يساندها ويخفف عنها، بمعاملة تصفها بأنها "أكثر من مثالية"، معاملة يضرب بها المثل.
تقول إن ما كان يفرحه حقا وببساطة هو أن يرى أهله بخير، وأن يشاهد أبناءه كما يتمنى لهم. الحمد الأكبر، كما تصفه، أنه رآهم متفوقين في دراستهم قبل استشهادهم جميعا؛ ثلاثة من أبنائه الأربعة حفظوا القرآن الكريم، وكانوا على الطريق الذي تمناه لهم، حتى ارتقوا شهداء.
تتحدث عن أجواء العائلة، عن الضحك والمرح، عن جلسات بسيطة مليئة بالود. تتذكر رحلة واحدة جمعتهم معا: رحلة شواء، جلسوا فيها كعائلة عادية، بلا حواجز ولا أسرار، لحظات عابرة لكنها محفورة في الذاكرة.
أبو عبيدة لم يكن يعيش الشخصية التي يراها العالم خلف الكوفية والبيان العسكري؛ كان إنسانا هادئا، عاديا، أبا في بيته، أخا بين إخوته، زوجا رحيما وحنونا.
وحين يصل الحديث إلى الأحلام، تقول إن أخاها لم يكن يحمل حلما شخصيا أكبر من حلمه الوطني: أن ينتهي الاحتلال أن يشهد التحرير، وأن يفتح باب المسجد الأقصى، إلى جانب ذلك، كان قد أنهى دراسة الماجستير في العقيدة عام 2013، وسجل في الدكتوراه، لكن الأحداث التي عصفت بغزة وفلسطين حالت دون إكمالها.
تؤكد أن أبا عبيدة كان نعم الأخ ونعم الرجل، أكثر ما كان يؤلمها أنه لم يستطع أن يتعامل معهم كأي أخ بسبب طبيعة عمله، كان يقول إن التخفي الدائم، كناطق وكإنسان، أثر بشدة على علاقاته الاجتماعية، اتصالاته وزياراته كانت محدودة، لكنها كانت كافية لتترك أثرا طويلا، حضوره، حتى العابر، كان يملأ المكان.
تقول إن له مواقف شخصية معها كأخت، وقف فيها بجانبها وقفات لا تنسى، لكنها تفضل الاحتفاظ بها بعيدا عن العلن، تكتفي بالقول إن فقده خسارة كبيرة، وتسأل الله أن يجمعهم في الفردوس.
وتكمل حديثها بنبرة من الحنية: داخل البيت، لم يكن أبو عبيدة مختلفا عن صورته الهادئة التي يعرفها الجميع، لكنه كان أكثر دفئا. تقول شقيقته إن شخصيته العامة هادئة بطبعها، لكن بين أهله كان يمزح، يضحك، ويترك لنفسه مساحة للمرح، كان يمازح أبناءه، ويداعب أطفال إخوته، يشاركهم اللعب دون حواجز، ويصنع معهم لحظات طبيعية تشبه أي بيت فلسطيني بسيط.
في الرحلات والطلعات العائلية، لم يكن متفرجا، كان يلعب معهم كرة القدم، يضحك، ويتفاعل، وكأنه يستعيد إنسانيته كاملة بعيدا عن ثقل المسؤولية، حتى في الجلسات العائلية، كانوا يخصصون فقرات للحديث عن مواقف طريفة من حياته، سواء في العمل أو في تفاصيله اليومية، ليبقى حاضرا بينهم كإنسان لا كصورة معلقة على الشاشة.
تصفه بالحنان الشديد، ولا تذكر له صرامة إلا إذا تعلق الأمر بحماية أخته أو مصلحة أحد إخوته، لم يكن متدخلا في شؤون أحد، ولم يفرض رأيه يوما، تربوا جميعا في بيت يحترم حرية القرار والشخصية، وهذا النهج لم يأخذ أحدا منهم إلى طريق خاطئ، وتعترف أنه كان مصدر أمان حقيقي لها، في مواقف صعبة مرت بها، كان حاضرا، يقول لها ببساطة: أنت أختنا وحبيبتنا، وأنا جاهز لكل ما تحتاجينه. كلمات قليلة، لكنها كانت كافية.
وعن النصائح، تقول إن أكثر ما ميزه كان كتمان السر، كان كتوما إلى حد لافت، أما العائلة، فكانت جلساتهم دائما عامرة بالنصيحة، بعدم ذكر أحد بسوء، وبالتواصي الدائم فيما بينهم.
خلال الحرب، لم تره لفترة طويلة، منذ السابع من أكتوبر 2023 حتى نهاية فبراير 2025، لم تلتق به. في بعض اللحظات، ظنوا أنه استشهد، قبل أن يخرج في أحد خطاباته ليؤكد أنه ما زال على قيد الحياة. تؤكد أن إجابة كثير من الأسئلة حول تلك المرحلة موجودة في خطاباته، أكثر مما هي في ذاكرتها الشخصية.
حين يصل الحديث إلى والدته، يصبح الصوت أكثر رقة. تصف شقيقته أخاها حذيفة – أبا عبيدة – بأنه إنسان رقيق جدا، حنون بطبعه، تقول إن أمها كانت تحبه حبا كبيرا، وإنها، بفضل الله، راضية عنه تمام الرضا.
كان حريصا على رضاها، يتفقدها باستمرار، حتى في ذروة الحرب، بطرق يعرفها وحده، وبوسائل تفرضها السرية، في كل فرصة كانت تتاح له، كان يسعى لإسعادها أن يقدم لها هدية، أو أن يساعدها بأي شكل ممكن، لم يكن ذلك واجبا يؤديه، بل حاجة داخلية لا يتخلى عنها.
دلالات