تلفزيون نابلس
كوكا كولا
بأطراف مبتورة وإرادة صلبة.. غزيّ يشيّد خيمته من ركام منزله بمدينة غزة
2/22/2026 9:50:00 AM

 تحت كتل خرسانية ضخمة مائلة للسقوط في قلب مدينة غزة، يغوص المواطن الأربعيني أبو جمال بجسده المبتور القدمين وسط الغبار والردم. بيدين غطاهما التعب، ينبش الرجل في أحشاء منزله المدمر، مقتلعاً بلاطات منسية تحت أطنان الأسمنت ليعيد استخدامها في تشييد مأوى بديل.


داخل مساحة ضيقة أحاطتها جدران من القماش والنايلون، يجثو أبو جمال على أطرافه المبتورة محولاً باطن خيمته إلى ورشة بناء مصغرة. ينسق البلاط المستخرج ببراعة هندسية فوق الرمال الصفراء، حرصاً منه على تسوية الأرضية لتقي عائلته لسعات البرد وتسلل مياه الأمطار في هذا الشتاء القارس.

تبدو الخيمة البيضاء وسط بحر من الدمار الرمادي كشاهد وحيد على البقاء، حيث تبرز أسياخ الحديد الصدئة من الأسقف المحطمة كأشواك عملاقة. وفي هذا المشهد السريالي، يتحرك أبو جمال على يديه بين الركام بسلاسة تكسر منطق العجز، جامعاً الأخشاب وما تبقى من حطام حياته السابقة.

قرر أبو جمال الاستقرار فوق ركام منزله في منطقة الساحة بمدينة غزة، بعد أن أصبح النزوح المتكرر عبئاً لا يطاق على جسده المنهك. فالسكن في الطوابق العليا لم يعد خياراً ممكناً لرجل فقد قدميه، حيث تضاعف مشقة الصعود والنزول من معاناة الفقد والتهجير.

تحدث أبو جمال لمصادر صحفية بصوت يملؤه الإصرار، مؤكداً أن الظروف القاسية هي التي أرغمتهم على نصب الخيام في الشوارع وفوق الأنقاض. وأوضح أنه يحفر تحت ركام بيته لاستخراج ما يمكن استخدامه لحماية أطفاله من قسوة المناخ، متسائلاً عن مصيرهم في ظل هذه الحياة المريرة.

رحلة المعاناة بدأت مع حرب الإبادة المستمرة، حيث نزحت العائلة عدة مرات قبل أن تستقر مؤقتاً في غرفة بالطابق السادس بإحدى البنايات. هناك، كان أبو جمال يواجه معاناة يومية في تسلق الدرج الذي وصفه بأنه كالجبل الذي لا ينتهي، مما دفعه في النهاية للعودة إلى أرضه.

لم تكن إصابة الأب هي الوحيدة في العائلة، فقد دفع ابنه الأكبر جمال ضريبة باهظة أيضاً بفقدان إحدى ساقيه خلال الحرب الحالية. كان الأب يأمل أن يكون ابنه هو السند الذي يتكئ عليه عند الكبر، لكن الصواريخ جعلت الاثنين يشتركان في ذات الألم والعجز الجسدي.

إن لم أستطع الصعود إلى بيت في السماء، فسأبني بيتاً على الأرض، ولو كان خيمة.
يستذكر أبو جمال لحظة عودته الأولى إلى منزله، حيث وقف طويلاً أمام مدخل لم يعد موجوداً، مستحضراً ذكريات غرف الجلوس وضحكات الأطفال. ورغم الحزن الذي يعتصر قلبه، قرر ألا يستسلم للبكاء، وبدأ فوراً في التخطيط لبناء مأواه الجديد فوق الحطام.

حول الخيمة، بدأت زوجته بترتيب ما نجا من أغطية ومتاع بسيط، بينما يراقب الأطفال والدهم وهو يرص البلاط بفضول ممزوج بالأمل. وعندما يسأله صغاره عن إمكانية عودة البيت كما كان، يجيبهم بثقة أنهم سيبنونه بأيديهم ليكون أجمل مما مضى.

على قطعة خرسانية مجاورة، يجلس الابن جمال يراقب والده بصمت، محاولاً إخفاء أوجاع ساقه المبتورة التي لم تندمل بعد. يقول جمال إن والده كان دائماً بطله الذي يمشي بإرادته، وأنه كان يحلم بأن يكون ساقيه اللتين يركض بهما، لكن الحرب غيرت مسار أحلامه.

يروي جمال لمصادر إعلامية غصة قلبه وهو يرى والده يزحف بين الحجارة لتوفير مكان للنوم، بدلاً من أن يقوم هو بحمله وتأمين راحته. ومع ذلك، استمد الشاب من والده فن الصمود، وقرر مشاركته في رصف البلاط، معتبراً أن الإرادة لا يمكن أن تُدفن تحت الركام.

تتجلى في هذه الزاوية من غزة صورة حية للتعاضد الأسري، حيث يتناول الأب والابن البلاط والحجارة في مشهد يجسد التحدي الفلسطيني. هما يدركان أن فقدان الأطراف لا يعني نهاية الحياة، بل هو دافع إضافي للتمسك بالأرض والبقاء فوق ترابها مهما بلغت التضحيات.

مع اقتراب الغروب، تتداخل ظلال الأب والابن فوق الأرضية الجديدة التي شيدوها من بقايا ذاكرتهم المحطمة. تهدأ الريح قليلاً، لكن صرير العمل لا يتوقف، في إشارة واضحة إلى أن الحياة في غزة تُنتزع انتزاعاً من بين أنياب الموت والدمار.

هذه الخيمة في منطقة الساحة ليست مجرد قماش ونايلون، بل هي إعلان عودة ورفض للتهجير القسري الذي يمارسه الاحتلال. إنها قصة رجلين، أحدهما بنصف جسد والآخر بساق واحدة، لكنهما يقفان بهامات تلامس السماء، منتظرين فجراً جديداً يواصلان فيه البناء.

تصميم وتطوير: ماسترويب 2016
جميع الحقوق محفوظة