شيطنة الإغاثة وتبرير التجويع: جيش الاحتلال يشن هجوما على المساعدات الإنسانية إلى غزة
1/29/2026 7:20:00 AM
في خطاب تحريضي خطير يصل الى ترسيخ وشرعنة سياسة التجويع الجماعي، شنّ جيش الاحتلال، صباح اليوم الخميس، هجومًا سياسيًا وإعلاميًا مباشرًا على المساعدات الإنسانية المتدفقة إلى قطاع غزة، مدّعيًا أن إدخال الغذاء والمواد الإغاثية يشكّل عامل "تعاظم اقتصادي" لحركة حماس، في تجاهل متعمّد لحقيقة أن القطاع يعيش إحدى أسوأ الكوارث الإنسانية في العصر الحديث.
وتكشف هذه التصريحات عن سعي إسرائيلي منظم لإعادة تعريف المساعدات الإنسانية من حق إنساني غير قابل للمساومة إلى "مشكلة أمنية"، تمهيدًا لتقييدها أو تقليصها أو إخضاعها لشروط سياسية، رغم أن غزة ما تزال ترزح تحت آثار أكثر من عامين من الحرب الشاملة، والحصار الخانق، والتدمير المنهجي لكل مقومات الحياة.
ويروّج جيش الاحتلال لأرقام مجتزأة حول عدد الشاحنات الداخلة يوميًا، في محاولة لتسويق صورة زائفة عن "وفرة إنسانية"، بينما يتجاهل عمداً أن هذه الكميات لا تعوّض الانهيار الكامل في الأمن الغذائي، ولا تقترب من سد فجوة الاحتياجات المتراكمة التي راكمها الحصار، وتدمير الزراعة، وتسوية المناطق الصناعية بالأرض، وشلل المنظومة الصحية والخدماتية.
إن ادعاء جيش الاحتلال بأن المساعدات "تفوق الحاجة" لا يستند إلى أي واقع ميداني، بل يتناقض بشكل صارخ مع تحذيرات الأمم المتحدة نفسها من تفشي الجوع وسوء التغذية، ومع مشاهد النزوح الجماعي، وانعدام الغذاء، وانهيار القدرة الشرائية، ما يجعل هذا الخطاب أقرب إلى تضليل سياسي منه إلى تقييم مهني.
ويحاول جيش الاحتلال تحميل المساعدات الإنسانية مسؤولية ما يسميه “الجباية والتهريب”، في مفارقة فجة، إذ يتجاهل أن الاحتلال هو من دمّر الاقتصاد المحلي، وألغى حركة التجارة الطبيعية، ومنع إدخال المواد الخام، وأغلق المعابر لسنوات، ثم عاد ليستخدم نتائج هذه السياسات كذريعة لمواصلة الخنق.
وفي تصعيد إضافي، يلوّح الجيش بكارثية فتح معبر رفح أمام إدخال البضائع، في محاولة لإعادة إنتاج نموذج السيطرة الكاملة على شريان الحياة الوحيد المتبقي لغزة، وإبقاء السكان رهائن لقرار عسكري، لا يخضع لأي اعتبارات إنسانية أو قانونية، بل لمعادلات الردع والعقاب الجماعي.
كما تعكس تصريحات جيش الاحتلال بشأن اللجنة الإدارية أو “لجنة التكنوقراط” قناعة إسرائيلية راسخة بأن أي صيغة مدنية لإدارة القطاع يجب أن تبقى شكلية، ما دامت السيطرة الفعلية — أمنًا واقتصادًا ومعابر — بيد الاحتلال، في نموذج يعيد تعريف “الإدارة المدنية” كغطاء لاستمرار الهيمنة، لا كخطوة نحو إنهاء الكارثة.
إن استخدام نماذج إقليمية مثل “حزب الله في لبنان” ليس سوى أداة تخويف سياسية تهدف إلى شيطنة أي مسار إنساني أو إداري لا يخضع بالكامل للرؤية الإسرائيلية، وتبرير استمرار التحكم بالمساعدات باعتباره “ضرورة أمنية”، في خرق واضح لمبادئ القانون الدولي الإنساني.
في جوهره، لا يعكس هذا الخطاب قلقًا أمنيًا حقيقيًا، بل محاولة ممنهجة لتحويل الغذاء والدواء إلى أدوات ضغط، وتجريد الفلسطينيين في غزة من حقهم في البقاء، عبر تسويق التجويع كسياسة مشروعة، والمساعدات كخطر يجب احتواؤه.
إن الحرب التي يشنّها الجيش الإسرائيلي اليوم ليست فقط على غزة، بل على مفهوم الإغاثة الإنسانية ذاته، في سابقة خطيرة تهدد بتقويض ما تبقّى من منظومة الحماية الدولية للمدنيين في مناطق النزاع.