تلفزيون نابلس
كوكا كولا
بيان في الذكرى السنوية لرحيل الشاعر والمفكر معين بسيسو
1/22/2026 11:21:00 PM

في الثالث والعشرين من كانون الثاني عام 1984، رحل الشاعر الوطني والتقدمي الكبير معين بسيسو، حيث تمرّ الذكرى السنوية لرحيله فيما لا تزال الأسئلة التي طرحها من خلال قصائده وكتاباته معلّقة في صلب الواقع الفلسطيني، محتفظةً براهنيتها وحدّتها، إذ لم يكن معين بسيسو شاهدًا على زمنه فحسب بقدر ما كان جزءًا فاعلًا في تشكيل وعيه الثقافي والسياسي وصياغة رؤيته الوجودية، بل كان واحدا من الأصوات التي نقلت القصيدة الفلسطينية من حيّز التعبير العاطفي إلى مجال الفعل التاريخي والالتزام الوطني.

انتمت تجربة معين بسيسو إلى سياقها الفلسطيني انتماءً كاملًا على مستوى الموضوع والبنية والرؤية، فكتب من داخل التجربة لا من هامشها، تناول الشعر بوصفه معرفةً وموقفًا ومسؤولية؛ لذلك جاءت كتابته واضحة الانحياز حادّة التحديد، رافضةً أي فصل بين الثقافة وشروطها الاجتماعية والسياسية، مؤكدةً على أن للفن دورًا مباشرًا في مواجهة القهر والظلم.

أسهم بسيسو في ترسيخ مفهوم المثقف الملتزم، حيث تتقدّم حملت أشعاره ومسرحياته ومقالاته دائمًا الأسئلة الكبرى وانغمست في فضاء الحرية، العدالة، القهر، ودور الإنسان في مواجهة أنظمة الهيمنة، سواء كانت استعمارية أم داخلية، لم يكن انحيازه للفكرة موقفًا نظريًا فحسب، بل مسارًا حياتيًا دفع أكلافه بوعي كامل دون مواربة أو تراجع.

تميّزت لغته بالصرامة والمباشرة الواعية التي لا تخطئ الهدف، لم يغفل الرمز خاصة في مسرحه الشعري ولم يفرط في التخفّي خلف الغموض؛ لأن رهانه كان على الوضوح خيارًا أخلاقيًا وثوريًا، هو ذات الخيار الذي استمدّت منه قصيدته قدرةتها الاستثنائية على الوصول إلى جمهور واسع، دون أن تفقد عمقها الفني أو قيمتها الأدبية، إذ كان النص عنده جزءًا من حوار مفتوح مع المجتمع والتاريخ.

إن مؤسسة معين بسيسو، وهي تستحضر هذه الذكرى، تؤكد أنها ستنهض من جديد بعدما أصابها ما أصاب قطاع غزة من دمار وشلل كامل، وستواصل ما بدأته لاستعادة تجربة الشاعر الوطني الكبير معين بسيسو بوصفها ضرورة معرفية وثقافية، ففي لحظة تتعرض فيها الذاكرة الفلسطينية لمحاولات إعادة الصياغة، ويُدفع فيها المثقف نحو الحياد القسري أو التكيّف مع واقع مفروض، يبرز مشروع بسيسو نموذجًا مختلفًا لدور الكاتب والمثقف، بوصفه صاحب موقف، لا مجرد منتج نصوص أو شعارات.

كما تؤكد المؤسسة أن العمل على إرث بسيسو لا يقتصر على حفظ أعماله، بل يستلزم إعادة قراءتها في ضوء التحولات الراهنة، وربطها بأسئلة الحاضر الفلسطيني، وبالنقاشات الدائرة حول وظيفة الثقافة وحدودها ومسؤولياتها. فلم يكتب معين زمنه فحسب، إنما ترك أيضًا نصوصًا قادرة على مساءلة الأزمنة اللاحقة، وتوجيه السؤال الأخلاقي المستمر عن الحرية والعدالة والالتزام.

في ذكرى رحيله، يبقى معين بسيسو حاضرًا بما تركه من أثر فكري وأدبي، وبما مثّله من انسجام نادر بين القول والفعل، حضورٌ يقوم على التفاعل والاستمرار، ليظل صوته دليلًا على أن الشعر والفكر قادران على التغيير والمساءلة، حتى في أحلك الظروف.

 


تصميم وتطوير: ماسترويب 2016
جميع الحقوق محفوظة