المخرجة فريدة بليزيد وفيلم "الحياة البائسة" بقلم: أنور حمام
11/29/2008 8:19:00 AM

هاهي المخرجة المغربية، فريدة بن اليزيد، تزور فلسطين رمزيا، عبر مشاركتها بفيلم "الحياة البائسة" في مهرجان سينما المرأة الذي تنظمه مؤسسة شاشات في فلسطين، وهي وكما هو معروف عنها امرأة خفيفة الظل، قوية الأفكار، بريئة وبسيطة وعادية، متواجدة دوما بين الناس وملتصقة بهم، تتعلم منهم دوما، رغم حجمها الكبير في مجال السينما، كذلك هي من المخرجات الأكثر انشغالا بقضايا النساء وهمومهن، واللاتي يعملن في صمت من أجل السينما وإبراز قدرات المرأة وأيضا للدفاع عن قضاياها وحقوقها وتحقيق المساواة بين الجنسين عبر تنمية قدراتهن. والمخرجة فريدة تسعى دائما إلى تعميق رؤيتها للفن والإبداع من خلال إطلالتها على حركات المجتمع وسكناته، وتملك قدرة مميزة في التعامل مع الكاميرا التي تحركها دائما في الاتجاه الصحيح، وهي مسكونة بحب وطنها المغرب وخصوصا مدينتها الساحرة طنجة ومعالمها وبيوتها وأسواقها وتاريخا، وعاداتها وتقاليدها وقيمها الأصيلة الجميلة، وكما تقول إنها مدينة فيها من "السحر والجمال والغواية والفقر والغنى" وتضيف المخرجة  " هي مدينة المتناقضات والاختلاف من جهة، والتعايش بين الناس بكل أطيافهم من جهة أخرى، هذا هو حال طنجة، وهنا يكمن سر جمالها".

فيلمها "الحياة البائسة"يثير موضوعات بمنتهى الجمالية والعمق، ويعالج قضايا عميقة تخص الإنسان والمرأة والقيم والثقافة والفن والبعد الحضاري برمته، هذا الفيلم الذي جاء نتيجة تعاون مغربي أسباني على مستوى الإنتاج، وهو مستوحى من رواية تحمل نفس العنوان للكاتب الأسباني، أنخيل فاسكيس، الذي ولد وعاش في طنجة مطلع القرن العشرين، وقد كتب السيناريو كل من فريدة بن اليزيد وخيرالدو ييليوث، وقد قامت بأدوار البطولة وجوه فنية من المغرب وفرنسا وأسبانيا يوجد بينها، عبد الله منتصر، سليمة بنمومن، ونبيلة بركة، وهذا الفيلم يشتمل على أربع لغات (العربية، الفرنسية، الإنجليزية، الأسبانية).

ما يميز الفيلم انه يعمق البحث في مرحلة حاسمة ومهمة من تاريخ المغرب قبيل وبعد الاستقلال، ولجملة التغيرات الكبرى التي مست الطبقات الاجتماعية، وما صاحبها من انهيارات على مستوى القيم الأخلاقية التي كانت تلقائية وطبيعية، وميزة من مميزات المجتمع المغربي وتحديدا في طنجة. فلقد تم التخلي عن بعض الموروث الاجتماعي، كالحياة الأسرية الجماعية، بما فيها علاقات ومودة وتضامن، مقابل طغيان الفردية التي تقف في مواجهة التقاليد الأصيلة.

في هذه الظروف يتم تسليط الضوء على "خوانيطة ناربوني"، التي تعود لأم أسبانية وأب إنجليزي، حيث ولدت وعاشت في طنجة المغربية خلال فترة السيطرة الدولية على المدينة، رافضةً مغادرة مدينتها التي لم تعرف غيرها وطناً، بعد رحيل معظم الأجانب إلى بلدانهم الأصلية. تبع ذلك جملة من الانقلابات في حياة هذه المرأة التي عاشت كسيدة غنية طوال حياتها، وفجأةً تتحول إلى فقيرة ومنعزلة بعد موت أفراد أسرتها ورحيلهم، وكيف تقوم خادمتها المغربية، بعد أن تحسنت أحوالها المادية لتصبح السند الوحيد للعجوز.

الفيلم في جوهره يحاول أن يقدم صورة للتعايش الذي ساد بين الأديان والأعراق والثقافات واللغات المتعددة في طنجة المغربية، خلال فترة الوجود الدولي بالمدينة، مسلطاً الضوء على قيم التسامح والاختلاف كقيم معاشة داخل المدينة، وهذه القيم كما تقول المخرجة "الأفق الوحيد للعلاقات بين الأفراد والشعوب في زمن انهيار الأيديولوجيات وفوضى القيم التي يعيشها العالم اليوم"، كما أن الفيلم يقيم مقارنات بين العائلة الشرقية الممتدة وما فيها من قيم وحميمية وبين نمط الحياة الغربية وما يطغى عليها من فردانية.

إن مشاركة هذه المخرجة هي فعلا مشاركة يجب أن نعتز بها في فلسطين، فهي مخرجة وصحفية وكاتبة سيناريو لمجموعة كبيرة من الأفلام منها: فيلم باديس، وفيلم زوجة لابني. في سنة 1974 حصلت على شهادة في الآداب المعاصرة من جامعة باريس قبل أن تتابع دراسة السينما بالمدرسة العليا للدراسات السينمائية في باريس أيضاً، حيث تخرجت منها حاملة شهادة في الإخراج سنة 1976.

يعرف عن المخرجة أنها من أكثر المنشغلين بهموم المرأة وقضاياها، تسعى دائما إلى تعميق رؤيتها للفن والإبداع من خلال إطلالتها على حركات المجتمع وسكناته، وتحريك الكاميرا في الاتجاه الصحيح انطلاقا من أسلوبها السينمائي المتميز، وهي مسكونة بحب مدينتها طنجة وفضاءاتها الساحرة. أخرجت العديد من الأفلام التلفزيونية والبرامج الوثائقية والأفلام السينمائية منها: هويات النساء، 1979، امرأة الساحل، 1993، وتهريب، 1994، فوق السطوح، 1995، وباب السما مفتوح، 1988، وكيد النساء، 1999،  كازابلانكا ، كازابلانكا، 2000، علما بأن جمعية نقاد السينما بالمغرب قد اختارت فيلم كيد النساء كأحسن شريط سينمائي مغربي للعام 2000، وهو عبارة عن فيلم مستمد من حكاية شعبية اندلسية. وشاركت في لجان التحكيم للعديد من المهرجانات السينمائية ومنها: مهرجان القاهرة الدولي للفيلم، ومهرجان قرطاج، ومهرجان خريبكة، ومهرجان فلنسيا في أسبانيا.


تصميم وتطوير: ماسترويب 2016
جميع الحقوق محفوظة