فليلاحق الغزيّون في كل بقاع الأرض سمرعبد الرحمن عوض الله
4/15/2010 9:09:00 AM
 

حينُ استيقظتُ أُحيكُ حلماً جديداً مع شروق صباح ذاك اليوم، ذهلني خبر القرار الإسرائيلي بتهجير آلاف الفلسطينيين بدءاً بأبناء قطاع غزة....وقاطع حلمي.....

بئساً لتلك الغولة التي حدّثتني عنها جدّتي كيف كانت تأكل الأطفال والناس! ما زالت تُعشّش في رأسي، ألا تكلّ غولتنا الجديدة ولا تملّ؟...تساءلتْ...وانهمكتُ في تمحيص الخبر، فاختطلتْ وجوه أصدقائي وعائلتي المقيمين في رام الله مع الحروف والكلمات، لا سيّما وجوه أطفالي الصغار الذين خلتُ أني لن أخذلهم يوماً، وأنا أقضي عمري أصنع لهم عُشّاً من وطن، حُرمتُ منه، واحتفلتُ به وأنا في الغربة في أعياد ميلادي العشرين، وطرتُ إليه عندما حانَ الرحيل إليه.

ماذا تفعل هذه الحمقاء؟؟... في كل مرة أنسج فيها ذاكرةً من طيف الغربة الطويل، وألقمها لصغاري مع كل وجبة صباح، تقوم هي بلا وَجلْ بحبكِ الِحيَلْ في مناكفتي، وتمزيق ما تبقّى من وهج الأمل ونبض الحياة..... وبلا تعب... أعودُ أنا وأنسج من جديد....  

 أربكني وصعقني ما قرأته... وكأنها تستهدف شخصي، أو أن "شلومو" يرمقني من خلال حاسوبي ساخراً.......أما اكتفيتِ وأنت تنهشين لحوم أطفالي بملء شدقيكِ؟ حتى تَخمتِ وتركتِ الفتات...توقفي... فلم يتبقَ لي سواهما....أتطاردين أثري إلى غزة...وإلى رام الله؟؟

اعتراني تفكيرٌ بما علينا فعله، حملة دولية؟...توقيع عريضة؟...ولكن كم إسماً ستضم يا تُرى!! لربما أسماء الغزيين فقط !! نخرج بمظاهرة تضم الآلاف ( الآلاف؟؟!!) حسناً.. سنكون حينها هدفاً سريعاً وجماعياً لها تبدأ بنا وجبتها الدسمة...عشرات الأفكار المُحتضِرة....قفزتُ أبحثُ عن "هويتي وما كُتِبَ مكان الجنسية".... وخطفتني اللحظات سريعاً إلى المنفى حيث وُلدت وترعرعت، ومرّ عليّ بعض زملاء المدرسة هناك، ومعلمة الفتوّة القرداحية[1] (مدربة العسكرية) عندما كانوا يهزأون بنا (يا فلسطينية).... ومن هناك امتلأتْ الحقائب وجابت الشرق والغرب، بسبب كوننا (فلسطينية)، حطّت في النهاية على أرض الوطن، ولأن غزة وأختها أريحا كانتا ما توفّر من وطن، عدنا إلى غزة....وحملنا عنوانها حتى تاريخه، فأمعنتُ في الهوية، واستحضرتُ بعض الأصدقاء هناك، حين كانوا يتهامسون:( هؤلاء السوريون) (هؤلاء القبارصة) (هؤلاء التوانسة) هؤلاء... هؤلاء....، وبعد أربع سنوات منها إلى رام الله أصبحنا             (الغزازوة)!!...

الوالد من أسدود..؟؟؟، والوالدة من المجدل !!!، وقد أُبعدا بعيد نكسة حزيران بأمر من قوات الاحتلال، فاليقين إذاً أننا نحمل الجنسية (الأسدودية)...احتفيتُ بنخب الحصول على (لقب) جنسيات العالم!!! التي طالما حلم الآخرون باقتنائها ....أصبح أقربها إلى قلبي (الجنسية الغزية).

نعم، استحضرتُ مدن التاريخ جميعاً وجنسياتها، وتشرّفتْ غزة بالتربّع على القمة....من منكم لم يسمع بالأنفة والإباء..بالنضال المستميت من أجل الحياة... تلك هي أغلى مدن العالم بالجَلَد والصمود....

لماذا غزة أولاً دائماً ؟..ألا يغفر لها عذابات الإحتلالَيْن؟ صبرها...وجوعها.. سواد الليل في خباياها... وضحكات أطفالها التي تسربلها دموعهم... وخيامها العارية...وشطآنها التي تبكي هجران أهلها ؟؟؟؟

جاء صوت أختي العزيزة من هناك، من غزة، مستكملاً: " أين يذهب أهل غزة "الغلابا"؟ أحلّت عليهم اللعنة ؟؟؟..إذن عليهم أن يعلنوا أن جميع أهالي غزة مُطاردون وملاحقون في كل بقاع الأرض...

عفواً غزة ... فأنت ملء القلب والعين، وما زال قلبي لديك هناك.... وكبدي وعيناي معلّقان هنا في رام الله، ولن يغفرا لي إنْ اخترت بينكما،..... حسبتُ أنكما توأمتان، إلى أن اشتبهت بفرحةٍ طلّت خلسةً من عيون أصدقائي هنا، وكأن القرار الإسرائيلي طرد (الجالية الغزية!!) من الضفة، قد مسّ سقط المشاعر لديهم!!.

فلنذهب إلى مجلس الأمن نشكو له غربتنا في الوطن، ليجد لنا كوكباً يبعدُ ملايين السنين الضوئية يُقطر إليه قطاع غزة برمّته، وجميع حاملي هذه الجنسية من كل أنحاء العالم، ومن ينطبق عليه قرار 1650.... علّه يُرضي "جميع الأطراف"!!

ويحاً لهم من غضب غربتنا وشقائنا، من عذابات أبائنا التي نالت منها الزنازين، ومن ثوب جدتي، ومن رائحة الليمون والزيتون في دمائنا...لقد أُكلوا يومَ أُكِلَ الثور الأبيض....

عفواً صغاري.... لتكونوا متسللين من غزة، ومن جنين، وطولكرم، والقدس، فجميعها كواكبكم وفلككم، وطناً وعدني به والدي ووعدتكم به، فامرحوا وانعموا، واشرفوا به واستعدوا لبنائه، ولقمّوه لأبنائكم كل صباح.



[1] القرداحة: مسقط رأس الرئيس السوري


تصميم وتطوير: ماسترويب 2016
جميع الحقوق محفوظة