عشية الذكرى أل 65 للنكبة الفلسطينية .. بير الهرامس لم يجف بعد ... ..بقلم : خالد منصور
5/14/2013 4:11:00 PM
   

    في العام 1971 أصر والدي أبو عاطف رحمه الله على اصطحابي وإخوتي وعموم عائلتنا إلى بلدتنا الأصلية أم الزينات - الواقعة على سفوح جبل الكرمل - وذلك ضمن رحلة هادفة كي يقول لنا ( انتم لستم نبت شيطاني .. ولم تأتوا من المجهول .. انتم أبناء خير وأبناء عز .. كان آباؤكم يعيشون في أجمل البلاد وينتجون أفضل الخيرات ) ..

 كانت محطتنا الأولى في الرحلة بير الهرامس الواقع في الجهة القبلية الشرقية من البلدة .. حيث كان يملك جدي هناك قطعة ارض منبسطة كالكف، مساحتها حوالي 45 دونما، ( بالكاد يمكن تجد فيها صرارة واحدة ).. حتى انه يحكى أن جدي حمد المنصور تصارع في احد الأيام مع فلاح آخر من بلدتنا، وقام جدي بضربه بحجر من بعيد، ومن قوة عزمه وبإرادة الله أيضا  أصاب الحجر حزامه الجلدي بالتحديد فقطعه إلى نصفين، وكان سؤال الناس يومها من أين اتى حمد المنصور بالحجر والمنطقة كلها لا توجد بها حجارة..!! وهناك كان جدي قد بنا بيتا جديدا غير بيته القديم الموجود في البلدة، وقد احضر حجارته من بلدة قباطية-- دلالة على العز الذي كان يعيش فيه-- لكن ذلك العز لم يدم لأكثر من ستة أشهر، حيث شنت العصابات الصهيونية حربها على شعب فلسطين، ودمرت حلم التحرر الاستقلال من تحت الانتداب البريطاني، وأمعنت بالقتل والتدمير، وشردت الغالبية العظمى من أبناء الشعب الفلسطيني، وحولتهم إلى جموع لاجئين.. وفي المكان كانت الحجارة متناثرة لان الصهاينة هدموا المنزل ليزيلوا المعلم العربي، وصلنا إلى البئر وكان مازال مليئا بالماء، وهبطنا درجاته القديمة وشربنا من مائه العذب وغسلنا وجوهنا ..... يومها تخيلت لو لم تحصل الحرب وبقينا في المكان كيف سيكون شكل حياتنا حيث الماء والخضراء والعيش الرغيد ..

     قال لي والدي يومها بير الهرامس يعني بئر السباع، وحوله تحكى الحكايات، ومن مائه كان يشرب الرعاة وتشرب قطعان الماشية، كما وليه تأتي النساء من قلب البلدة ليملأن جراهن بالماء للشرب.. كان البئر نقطة حياة تنبض حيوية، يسقى العطشانين، ويلهم أصحاب الطرب والمغنى لينظموا الأشعار والأغاني وبيوت العتابا والميجنا .. قال لي والدي هنا كان يطيب لنا السهر في الليالي المقمرات، وأيام الحصاد والبيادر، هنا كنا نحكي لبعضنا الحكايات، ونحلم بغد قادم يستطيع فيه الشباب تغيير نمط الحياة .. كم حلمنا هنا بالزراعة المروية المتطورة وباستخدام الماكنات والجرارات لحراثة الأرض وزرعها بأنواع جديدة من النباتات عدا الحنطة والبقوليات..

     انتقلنا بعدها إلى البلدة.. حيث بيتنا القديم كانت جدرانه مازالت قائمة، واندهشنا من كثرة أشجار التين والرمان والصبر المزروعة بين البيوت، ومن وجود كروم كاملة من التين كانت تسمى ( سبيل ) أي مسموح لأي كان من سكان البلدة ومن الضيوف وعابري السبيل أن يأكلوا منها ويأخذوا بقدر ما يريدون.. زرنا البلدة جميعها وكان أبي يسمي لنا أسماء أصحاب البيوت وحتى زوجاتهم وأبناءهم، وكأنه لم يترك البلدة ولم يفارق أهلها منذ أكثر من 24 سنة.. أخذنا إلى أطلال الجامع وأطلال المدرسة وقال : كان في بلدتنا مدرسة منذ نهايات عشرينيات القرن العشرين، وكان بين تلاميذ المدرسة أذكياء بل وعباقرة في زمانهم .. انتقلنا إلى المقبرة حيث قرانا الفاتحة عند قبر جد أبي ( محمد الحمد ) رحمه الله.. ثم تناولنا طعام الغداء في ظلال أشجار حرجية ضخمة جدا-- وكان أشهى طعام تناولته في حياتي-- وانهينا رحلتنا وعدنا إلى مخيمنا تقتلنا الحسرة على ماض مجيد، وبدأنا نحن الصغار نعقد مقارنات بين بلادنا الأصلية والأماكن التي أقيمت لنا فيها مخيمات اللاجئين... وبين حياتنا هناك فيما لو بقينا كيف كانت ستتطور، وبين القرى التي تحيط بنا... وقارنا يومها بلدتنا أم الزينات ببلدتا دالية الكرمل وعسفيا اللتان بقيتا وتطورتا وأصبحتا آيتين بالجمال والروعة، تتنفسان هواء الكرمل القادم مباشرة من البحر وتتفيئان بظلال الأحراش الأجمل في فلسطين.

     وشاءت الأقدار أن أعود مرة أخرى لزيارة بلدتي أم الزينات، وهذه المرة مع أخي العائد من الغربة أبو سفيان، ومع صديقنا وابن بلدتنا المناضل الكبير المرحوم اللواء ( عبود أبو خليل ) الذي كان بعمر اكبر منا ب 25 عام، والذي كان يعرف البلدة ليس لأنه ولد فيها وخرج منها وهو ابن اثني عشر عاما، بل لأنه وعندما كان مع الثورة كان يلجا للاختباء بها أياما وأسابيع.. يعيش في وديانها ومغايرها وقد جعلها محطة انطلاق لعملياته، لأنها خاوية من السكان ولم يقيم المحتلون على أرضها مباشرة أي تجمعات سكانية أو معسكرات جيش.. سار بنا المرحوم عبود ( أبو إبراهيم ) في دروب البلدة وقد شرح لنا تفاصيل إضافية غير التي كان قد حكاها لنا والدي .. وأكثر ما أحزننا أننا عندما وصلنا بير الهرامس لم نجد البئر، وبالكاد عرف أبو إبراهيم مكانه، فقد قام المحتلون اللئام بإغلاق مدخله وإخفائه، كما ولم نجد أحجار بيت جدي القديم، ويبدو أن اليهود الصهاينة قد سرقوا الحجارة استكمالا لسرقة الوطن.. تألمنا كثيرا على دفن البئر، لكننا انتبهنا إلى أن نباتات كثيفة قد نمت في المكان حول البير، وأيقنا عندها أن بير الهرامس لم يجف بعد، وانه مازال يقاوم الفناء، وهو وان فرض عليه العيش تحت الأرض إلا انه جاهز في كل لحظة ليعاود العطاء ومنح الخير والحياة لأحبائه وعشاقه الذين مازالت أصواتهم وضحكاتهم  تملئ الأثير في المكان.

البلد الأصلي : أم الزينات - حيفا

مخيم الفارعة – فلسطين

10/5/2013


تصميم وتطوير: ماسترويب 2016
جميع الحقوق محفوظة